هو الشيخ الوجيه محمد بن علي بن جارالله بن إبراهيم بن حسن الجارالله العجلان آل أبو عليان، أحد رجالات القصيم ومدينة بريدة بالذات  الذين جمعوا بين العلم، والإدارة، والثقافة، والعمل الاجتماعي، فكان رحمه الله مثالًا للرجل العصامي الذي عاش لوطنه ومدينته وأسرته، وأسهم في مراحل التحول الكبرى التي شهدتها المملكة في التعليم والصحة والإدارة والتنمية.

وُلد رحمه الله سنة 1350هـ في مدينة بريدة، في منزل والده الواقع شمال الجامع الكبير، ونشأ في بيئة علم ودين، فبدأ تعليمه في كُتّاب الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سليم رحمه الله، ثم التحق بمدرسة الفيصلية الابتدائية، التي كانت آنذاك منارات التعليم النظامي في القصيم، وتخرّج فيها عدد من رجالات الدولة والعلم والإدارة.

وقد تلقى في تلك المرحلة علوم العقيدة والتوحيد والحديث، فدرس العقيدة الواسطية، والأربعين النووية، وكتاب كشف الشبهات، إلى جانب العلوم الحديثة كالحساب والجغرافيا والهندسة، مما أكسبه ثقافةً متوازنة جمعت بين الأصالة والمعاصرة.

كما تتلمذ على سماحة الشيخ عبدالله بن حميد رحمه الله، وحضر دروسه العلمية، وكان من تلاميذه الملازمين لمجالسه.

وحين كان معالي الشيخ محمد بن عبدالله السبيل رحمه الله إمامًا لمسجد الحي قبل انتقاله إلى إمامة المسجد الحرام، كان ينيب الشيخ محمد بن علي الجارالله للقراءة على المصلين في رمضان من الكتب المعتبرة، والصلاة بالناس عند غيابه، لما عُرف به من جهارة الصوت، وتمكنه من اللغة العربية وآدابها، وحسن الإلقاء والبيان.

وكان رحمه الله شغوفًا باقتناء الكتب الإسلامية والتراثية والتاريخية والأدبية، ومتابعًا للإصدارات السعودية الحديثة، كما واصل تعليمه وحصل على شهادات ودبلومات ودورات تدريبية داخل المملكة وخارجها.

وفي الجانب الثقافي والإعلامي، كان مشتركًا في عدد من الصحف السعودية، وكتب مقالات متنوعة في السياسة والاقتصاد والتنمية، في صحف مثل جريدة القصيم، وأخبار الظهران، والرائد وغيرها. وقد عُرف قلمه بالقوة والرصانة، وجزالة العبارة، ودقة الاقتباس، وكانت مقالاته في الشأن العام تحدث أثرًا واضحًا في الوسط الإعلامي والثقافي آنذاك.

ونظرًا لتأهيله العلمي والثقافي، طلبت وزارة الصحة تعيينه في مستوصف بريدة الوحيد آنذاك، بتوجيه من أول وزير للصحة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله الفيصل رحمه الله، فصدر قرار تعيينه بتاريخ 1/9/1373هـ، ليبدأ مسيرةً طويلة في الخدمة العامة، تدرج خلالها في مناصب متعددة، من أبرزها إدارة مستشفى بريدة المركزي، وإدارة الشؤون الصحية بالقصيم، ثم مديرًا للشؤون المالية والإدارية بالوزارة.

وقد عاصر رحمه الله بدايات تعليم البنات النظامي في المملكة، وكان من أوائل الداعمين له في مدينة بريدة، مؤمنًا بأهمية تعليم المرأة ودورها في نهضة المجتمع، فكان ينصح الناس في مجالس بريدة وخبوبها بقبول تعليم الفتاة، وألقى بثقله الاجتماعي والعلمي تأييدًا لهذا التوجه، حتى أصبح من أوائل من ألحق بناته بالتعليم النظامي، فحصلن لاحقًا على أعلى الشهادات العلمية.

كما كان حريصًا على نهضة مدينة بريدة وتطورها، فسعى لدى المسؤولين والوزراء لتوفير الخدمات الصحية والتعليمية والبلدية، وأسهم بجهوده وعلاقاته في دعم كثير من المشاريع التي شهدتها المدينة.

ويُعد رحمه الله مرجعًا موثوقًا في أنساب آل أبو عليان، وبخاصة أسرة الجارالله العجلان، إذ كان واسع الاطلاع على تاريخ الأسرة، وظروف انتقال آل أبو عليان من ثرمداء إلى القصيم سنة 985هـ، وما يتعلق بتأسيس مدينة بريدة وعمارة آبارها وأسواقها وجامعها وقصر الحكم فيها.

وقد عاش رحمه الله حياةً زاخرة بالتجارب والتحولات، تقلب فيها بين سنوات الكفاح وأزمنة الرخاء .وعاصر مراحل الحاجة والطفرة، وخاض العمل الحكومي والتجاري، ودخل في نقاشات ثقافية وفكرية متعددة، كما انه عرف الرجال ، ومعادنهم ، والتقى بأصناف من الخلق ، وقرأ للكثير ممن سبقوه في الحياة .واختلط بأجيال متنوعة من رجالات المجتمع والمثقفين ورجال الأعمال، فكان مجلسه مقصدًا لأهل الفكر والرأي ومحبي مدينة بريدة.

واتصف رحمه الله بالحلم، والكرم، وسعة الصدر، والأناة، وبعد النظر، فلم يكن يتخذ قرارًا إلا بعد دراسة وتمحيص،

كما عُرف بالبذل والعطاء، ومساعدة الناس بجاهه وماله، وبعد تقاعده اتجه إلى العمل العقاري والتجاري، وأصبح من رجالات الأعمال المعروفين.

وفي فجر يوم الأربعاء 4/2/1436هـ الموافق 26/11/2014م، انتقل إلى رحمة الله تعالى عن عمر ناهز ستةً وثمانين عامًا، قضاها في خدمة دينه ووطنه ومليكه ومدينته وأسرته.

وكانت وفاته مصابًا جللًا على أسرته ومحبيه، لما له من مكانة رفيعة وأثر عميق في النفوس، وصُلّي عليه في جامع الراجحي بعد صلاة العصر، ثم ووري الثرى في مقبرة النسيم، رحم الله أبو جارالله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خير الجزاء على ما قدم لدينه ووطنه ومجتمعه.