تُعد العمة حصة بنت سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان – رحمها الله – مع أختها هيلة، الابنتين الوحيدتين للعم سليمان، خلافًا لإخوتهما الذكور الذين سبقت الإشارة إلى سيرهم في مقالات سابقة رحمهم الله جميعًا. وقد نُشرت عن أختها هيلة مقال مستقل في الموقع.
وُلدت العمة حصة في مدينة بريدة، وكانت تكبر أختها هيلة سنًّا، ويرجّح أن ولادتها كانت في أوائل عام 1350هـ.
والدتها هي السيدة هيلة بنت صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل آل أبو عليان، وإخوتها الأشقاء هما العم محمد والعم عبدالرحمن رحمهما الله. ووالدتها هيلة تكون أختًا للسيدة منيرة بنت صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل آل أبو عليان من الأب والدة والدي محمد بن علي الجارالله العجلان، وبذلك تكون العمة حصة وشقيقاها أبناء خالة والدي رحمه الله وأبناء عم في نفس الوقت في صورةٍ جميلة من تداخل الأرحام وتقارب الأسرة قديماً.
تزوجت العمة حصة من الشيخ محمد بن عبدالله الصلال رحمه الله، أحد رجالات أسرة الصلال المعروفة، ويرجع نسبه إلى قبيلة شمر، وهو أيضا رحمه الله يكون ابن عمتها حصة بنت جارالله العجلان ، فاجتمع بينهما رباط القرابة والمودة.
وقد رزقهما الله أبناءً هما عبدالله وخالد وعدد من البنات ، فنشؤوا في بيتٍ عُرف بالألفة والتماسك وحسن التربية.
كما أن جدتها من جهة والدتها هي السيدة منيرة الصلال، زوجة صالح بن عبدالله الدخيل ال ابوعليان، فكانت أسرة الصلال الكريمة تحيط بها نسبًا وصلةً ومودةً من جهات متعددة، مما عزز روابط القربى والمحبة بين الأسرتين.
عُرفت العمة حصة بالصبر وقوة الاحتمال، فقد رافقت زوجها في بدايات حياتهما الزوجية متنقلةً معه بحكم عمله بين بريدة وعفيف والرياض، في زمن كانت فيه الحياة أشد قسوةً وأقل وسائل راحة. وكانت بلدة عفيف آنذاك تفتقر إلى كثير من الخدمات الأساسية؛ فلا كهرباء عمومية، ولا مياه جارية، ولا طرق معبدة، ومع ذلك عاشت تلك المرحلة برضا واحتساب، تؤازر زوجها، وتدير شؤون بيتها بحكمةٍ وجلَد، حتى أصبحت تلك السنوات جزءًا من سيرتها المضيئة التي تُذكر بالصبر والوفاء.
كانت العمة حصة رحمها الله صاحبة قلبٍ يرى الجميل في الناس قبل أن يروه في أنفسهم، فإذا أثنت على أحدٍ بالغت محبةً لا تصنعًا، وإذا وصفت أمرًا ألبسته من كلماتها ما يكبره في النفوس ويزيده بهاءً.
تعد العمة حصة رحمها الله مضربًا للمثل في الكرم وحسن الضيافة، فلا تعرف التقتير في طعامٍ ولا تقليلًا في واجب، بل كانت ترى أن وفرة الطعام من تمام إكرام الضيف، حتى وإن كان المدعوون قليلًا. فمائدتها عامرة دائمًا، يسبق فيها الكرم عددَ الجالسين، وكأنها تخشى أن يقصر الجود يومًا عن أحد.
وكانت رحمها الله تُجلّ الحياة الزوجية وتُعلي من شأنها، وترى في احترام الزوج وتقديره أساسًا من أسس المودة والوفاء، فلم تكن تقيس الرجل بماله أو جاهه، بل بقدره ومكانته في بيته وأهله. وكانت كثيرًا ما تثني على زوجها وتذكره بخير، سواء كان في سعةٍ من العيش أو ضيق، في صورةٍ تعكس رضاها وحسن عشرتها ووفائها الجميل له.
ولا يُنسى ذلك الترحيب الدافئ الذي استقبلتنا به عند زيارتنا لها للاطمئنان عليها بعد خروجها من المستشفى، في منزلها بحي العزيزية بمدينة الرياض، فقد قابلتنا ببشاشتها المعهودة وكلماتها الحانية، رغم ما كانت تمر به من تعب وإرهاق. وكان استقبالها حارًّا صادقًا، يفيض بالمحبة والوفاء، ويعكس ما عُرفت به رحمها الله من صفاء النفس وصدق المودة، حتى شعر الزائر أن مكانته عندها محفوظة في القلب قبل المجلس وهذا هو ديدنها وطبعها.
وكانت عمتي حصة رحمها الله تولي إخوانها من أبيها عنايةً خاصة واهتمامًا كبيرًا، يليق بمكانتهم عندها، فهي أكبرهم سنًّا وأكثرهم خبرةً بالحياة، فكانت لهم بمنزلة الأخت الكبرى الحانية، تسأل عن أحوالهم، وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم، وتحرص على جمع الكلمة وصلة الرحم. وقد جمعت في تعاملها معهم بين المحبة الصادقة والحكمة والوقار، حتى بقيت مكانتها في نفوسهم موضع تقديرٍ واحترام.
وكانت رحمها الله ذات قلبٍ رحيم، يرقّ للفقراء والمحتاجين، فتُكثر من الصدقات والإحسان إليهم، وتجد في قضاء حوائجهم سرورًا وطمأنينة. ولم يكن عطاؤها مقتصرًا على المال فحسب، بل كانت تبذل الكلمة الطيبة والمواساة والدعاء، وتحرص على ستر المحتاج وعدم جرح مشاعره. فجزاها الله عن إحسانها خير الجزاء، وجعل ما قدمته من صدقاتٍ ورحمةٍ في موازين حسناتها.
وفي عام 1425هـ انتقلت رحمها الله إلى جوار ربها بعد مرضٍ لم يطل، فكان خبر رحيلها مؤلمًا لكل من عرفها وأحبها، لما عُرفت به من طيب المعشر وحسن الخلق وصدق المودة. وقد صُلّي عليها في جامع الراجحي القديم ، ثم ووريت الثرى في مقبرة النسيم بمدينة الرياض. رحمها الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدمته من خيرٍ وإحسانٍ وصلة رحمٍ في ميزان حسناتها، وأسكنها فسيح جناته.
جاري تحميل التعليقات...