
يُعد الشيخ الأستاذ الدكتور صالح بن علي بن صالح العقل من الشخصيات العلمية البارزة المرتبطة بأسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان من جهة والدته، العمة هيلة بنت سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان، وقد جمع بين التحصيل الشرعي المتين والعمل الأكاديمي، فكان مثالًا للعالم الجاد والباحث المتخصص. ويمثل الشيخ الدكتور صالح العقل نموذجًا مشرّفًا للصلة الوثيقة بين أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان والعلم الشرعي، حيث جمع بين أصالة النشأة، وجدية الطلب، والتخصص الدقيق في الفقه وأصوله، فكان من الشخصيات العلمية التي تركت أثرًا طيبًا في ميدان التعليم والبحث الشرعي، وبقيت سيرته محل تقدير واعتزاز بين أهله وذويه وتلامذته.
كانت للشيخ الدكتور صالح بن علي العقل – رحمه الله – صلةٌ وثيقة بخاليه معالي فضيلة الشيخ القاضي عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان ، وأخيه الشيخ إبراهيم بن سليمان الجارالله العجلان – رحمهما الله – حيث قامت العلاقة بينهم على المحبة والتقدير المتبادل، وعميق الاحترام العلمي والأسري. وقد كان يحرص على مجالستهما والاستفادة من علمهما وخبرتهما، فتدور بينهم المباحثات العلمية والمناقشات الشرعية والفقهية في جوٍ من الألفة والوقار، مما أسهم في إثراء معارفه وتعميق مداركه العلمية. وظلت هذه العلاقة المباركة نموذجًا لصلة الرحم المقترنة بالعلم والفضل، والتواصل القائم على التناصح والتعاون على الخير.
كما كانت تجمعه بخاليه جارالله وعلي بن سليمان الجارالله العجلان صلاتٌ وثيقة وعلاقةٌ متينة، عززها تقارب السن بينهم، وما نشأ عن ذلك من صداقةٍ صادقة وألفةٍ عميقة. ولم تقتصر تلك العلاقة على رابطة القرابة فحسب، بل تجاوزتها إلى أخوّةٍ ومودةٍ وتواصلٍ دائم، فكانوا يتشاركون المجالس والاهتمامات، وتربطهم وشائج المحبة والوفاء، في طفولتهم وشبابهم مما جعل تلك الصلة مثالاً يُحتذى في تلاحم الأسرة وقوة الروابط الإنسانية بين أفرادها.
ومن الجوانب اللافتة في حياة الشيخ الدكتور صالح بن علي العقل – رحمه الله – أنه رضع في طفولته من السيدة نورة بنت حمد المديفر – رحمها الله – وهي والدة أخواله المذكورين، الشيخ عبدالله بن سليمان الجارالله العجلان رحمه الله والشيخ إبراهيم بن سليمان الجارالله، رحمه الله وجارالله وعلي أبناء سليمان الجارالله – حفظهما الله – وبذلك غدت الصلة بينهم صلةَ قرابةٍ من جهتين: جهة النسب وجهة الرضاع. وقد أضفى هذا الارتباط مزيداً من الألفة والمحبة والتواصل بينهم، فاجتمعت لهم أواصر الرحم وأخوة الرضاع، وظلت تلك العلاقة المباركة قائمة على المودة والوفاء والتقدير المتبادل طوال حياتهم.
ويُضاف إلى ما سبق من وشائج القربى أن السيدة نورة بنت صالح العقل – رحمها الله – عمة الشيخ الدكتور صالح بن علي العقل، هي والدة جارالله بن عبدالله بن سليمان الجارالله، الأمر الذي أوجد صلة قرابة إضافية بين الأسرتين، وعزّز ما بينهما من روابط المودة والتواصل. وهكذا تداخلت بين أسرة العقل وأسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان صلات النسب والرضاع والمصاهرة، فكانت علاقةً ممتدة الجذور، وثيقة الأواصر، تجلت آثارها في قوة الترابط الأسري، واستمرار التواصل والمحبة بين أفراد الأسرتين عبر الأجيال.
ولد رحمه الله في مدينة بريدة عام 1376هـ،ويعود نسبه الى ال زويمل من قبيلة شمر ونشأ في كنف والديه بحي السادة. بدأ تعليمه النظامي في مدرسة القدس الابتدائية عام 1384هـ، وتخرج منها عام 1390هـ، ثم التحق بالمعهد العلمي بالبدائع، وتتلمذ على الشيخ الفقيه زايد بن عبيد العنزي، قبل أن ينتقل عام 1391هـ إلى معهد بريدة العلمي، حيث أكمل المرحلتين المتوسطة والثانوية.
وقد نهل خلال دراسته من عدد من علماء القصيم المعروفين، ومنهم الشيخ صالح بن إبراهيم البليهي، والشيخ صالح بن إبراهيم السكيتي، والشيخ علي بن سليمان الضالع، والشيخ حمد بن محمد المحيميد، مما أسهم في تكوينه العلمي المبكر.
بعد تخرجه في كلية الشريعة واللغة العربية ببريدة التابعة لـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عام 1400-1401هـ، وحصوله على درجة البكالوريوس في الشريعة، واصل الشيخ الدكتور صالح بن علي بن صالح العقل مسيرته العلمية المباركة، فالتحق بمرحلة الماجستير في كلية الشريعة بالرياض عام 1401هـ، ونال درجتها بتقدير ممتاز. وكانت رسالته العلمية بعنوان: «أحكام الأخرس في الفقه الإسلامي»، وقد بلغت نحو أربعمائة صفحة، وتناولت جانباً مهماً من الأحكام الشرعية المتعلقة بفئة الصم والبكم. وقد حظيت الرسالة بعناية عدد من الجهات المختصة، فجرى تبادلها مع مدارس الصم ومعاهد الأمل وغيرها من المؤسسات ذات العلاقة، حتى قيل عنها: «إن هذا المؤلَّف حاول الإجابة عن كثير من الأسئلة الشرعية التي يحتاج إليها الصم».
ثم واصل رحمه الله طريق البحث والتأصيل العلمي، فالتحق بمرحلة الدكتوراه في كلية الشريعة بالرياض عام 1406هـ، واختار لأطروحته موضوعاً فقهياً دقيقاً بعنوان: «التهمة وأثرها في الأحكام الفقهية»، بإشراف فضيلة الشيخ صالح بن عبدالرحمن الأطرم. وقد نال عليها درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى، وبلغت الأطروحة (512) صفحة، ثم طُبعت في الرياض عن دار التدمرية عام 1431هـ، لتصبح مرجعاً علمياً في بابها، يجمع بين التأصيل الفقهي والتحليل الدقيق للنوازل والأحكام المتعلقة بالتهمة وآثارها.
أما مسيرته الأكاديمية، فقد بدأت بتعيينه معيداً في كلية الشريعة واللغة العربية بالقصيم عام 1401هـ، ثم رُقّي إلى وظيفة محاضر في كلية الشريعة وأصول الدين بالقصيم، قبل أن يُعيَّن أستاذاً مساعداً في قسم الفقه بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية بـ جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية فرع القصيم عام 1412هـ، وظل في هذا الموقع العلمي يؤدي رسالته التعليمية والبحثية حتى وفاته رحمه الله.
ولم يكن تميّزه مقتصراً على الجانب العلمي والأكاديمي فحسب، بل كان صاحب شخصية فريدة اجتمعت فيها خصال الوقار والعلم والتواضع. فمن رآه رأى رجلاً يكسوه السكون والهيبة، وتعلو محياه أمارات الرضا والطمأنينة، ومن جالسه لمس فيه رجاحة العقل، وحسن الرأي، وسعة الحلم، ولين الجانب، وطيب المعشر. وقد عُرف بين زملائه وطلابه بدماثة خلقه، وبشاشته الدائمة، وابتسامته التي لا تفارق محيّاه.
وكان رحمه الله مثالاً رفيعاً للتواضع، حتى غدت هذه الصفة سمةً ظاهرة في شخصيته؛ إذ لم يكن يحب أن يُنادى بالألقاب العلمية، فلا يرتاح إلى وصفه بالدكتور أو الشيخ، على الرغم مما بلغه من منزلة علمية وأكاديمية رفيعة. وكان يرى أن قيمة الإنسان فيما يقدمه من علم وعمل، لا فيما يُسبق اسمه من ألقاب، فازداد بذلك رفعةً في أعين الناس ومحبةً في قلوبهم.
وبقي الشيخ الدكتور صالح بن علي العقل مثالاً للعالم العامل، والأستاذ المربي، والباحث المتخصص، الذي جمع بين العلم الغزير، والأخلاق الرفيعة، والتواضع الصادق، فترك سيرةً عطرةً وآثاراً علمية نافعةً، لا يزال ينتفع بها طلاب العلم والباحثون، ويعتز بها أهله وأسرته ومحبوه.
ومن أظهر ما عُرف به الشيخ الدكتور صالح بن علي بن صالح العقل برُّه بوالديه،وصلته الشديدة باقاربه وهو خلقٌ لازمَه طوال حياته، حتى غدا مضرب المثل بين أهله ومعارفه في حسن الصحبة، وكمال الطاعة، وعظيم الوفاء. فقد كان شديد الحرص على رضاهما، مسارعاً إلى تلبية طلباتهما، خافضاً لهما جناح الذل من الرحمة امتثالاً لأمر الله تعالى، لا يُعرف عنه مجادلةٌ أو معارضةٌ لهما، بل كان إذا وجّهه والده بأمرٍ ما، طأطأ رأسه بأدبٍ جمّ وقال: «سم وأبشر»، ثم يمضي إلى تنفيذ ما طُلب منه دون تردد أو نقاش.
ولم يكن هذا البرُّ موقفاً عابراً، بل كان منهج حياةٍ لازمَه في جميع أحواله. فعندما تقدّم العمر بوالده وأصابه المرض في آخر حياته، تولّى رعايته بنفسه، ورافقه في أسفار العلاج داخل المملكة وخارجها، متحملاً ما يقتضيه ذلك من مشقةٍ وعناء، محتسباً الأجر عند الله تعالى، ومؤدياً حق الأبوة على أكمل وجه.
وبعد وفاة والده، انتقلت والدته إلى السكن في منزله، فكانت تحظى منه بعنايةٍ فائقة ومداراةٍ عظيمة، وكان يحرص على إدخال السرور عليها، ويجتهد في تحقيق راحتها وتلبية احتياجاتها. وحين ألمّ بها المرض في سنواتها الأخيرة، تفرغ لخدمتها هو وأفراد أسرته أعواماً عديدة، حتى إنهم كانوا يتحاشون الابتعاد عن المنزل إلا للضرورة القصوى؛ لشدة حاجتها إلى الرعاية والمتابعة المستمرة.
وكان لزوجته أم سليمان حفظها الله دورٌ مشهود في هذا الجانب، إذ شاركته خدمة والدته والقيام بشؤونها، فكانا مثالاً للأسرة الصالحة التي أدركت معنى البر والإحسان، وأدّت هذا الواجب العظيم بإخلاصٍ وصبرٍ واحتساب.
وهكذا جمع الشيخ الدكتور صالح العقل بين التفوق العلمي والخلق الرفيع، وكان برُّه بوالديه من أجلِّ صفاته وأعظم ما يُذكر في سيرته، حتى استحق أن يُعدَّ نموذجاً يُحتذى في الوفاء للأسرة، والإحسان إلى الوالدين، والعمل بقول الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. فرحمه الله رحمةً واسعة، وجزاه عن والديه وأسرته خير الجزاء.
ومن الصفات التي أجمع عليها من عرف الشيخ الدكتور صالح بن علي بن صالح العقل الورعُ والزهدُ والنزاهةُ في التعامل مع شؤون الحياة، فقد كان شديد التحري فيما يأتي ويذر، لا يقدم على أمرٍ حتى يطمئن قلبه إلى سلامته، مبتعداً عن مواطن الشبهة، مترفعاً عن التوسع في المباحات التي قد تجر إلى ما لا تحمد عقباه.
وفي هذا المعنى يقول الأستاذ الدكتور عبدالله بن سليمان الطيار، عميد الكلية سابقاً: كان -رحمه الله- يترفّع عن كثير من الأمور التي كانت عادةً تُمنح لأعضاء هيئة التدريس، وذلك من باب الورع.
كما وصفه الدكتور محمد اللاحم، وهو من الملازمين له والمقربين منه، بقوله: كان يتحرّز من الوقوع في الشبهات، وكان يترك كل ما يريبه، ولا يسمع لمن يسوّغ له ذلك، فلا يستفتي إلا نفسه، ولا يخشى إلا ربه.أما المهندس منصور الرجيعي، وكان من أخص أصحابه وأقربهم إليه، فقد لخّص جانباً من شخصيته بقوله:
كان زاهداً يطلب الكفاف من هذه الدنيا الفانية، فلا تجده يلهث خلف مالٍ أو جاهٍ أو غيرهما.
وتكشف هذه الشهادات المتعددة عن ملامح شخصيةٍ نادرة اجتمع فيها العلم والورع، والتخصص الأكاديمي مع الزهد والتواضع. فقد كان رحمه الله يرى أن قيمة الإنسان فيما يقدمه من عملٍ صالح وعلمٍ نافع، لا فيما يجمعه من متاع الدنيا أو مناصبها، فعاش حياة القناعة والاعتدال، معرضاً عن التكلف والتفاخر، مكتفياً بما يسّر الله له من رزق، وموجهاً جهده ووقته إلى العلم والتعليم وخدمة الناس.
ولهذا بقي ذكره الطيب في نفوس زملائه وطلابه وأصدقائه، لا بسبب مكانته العلمية فحسب، بل لما عُرف عنه من صدق السريرة، ونقاء الذمة، وشدة التحري في أموره كلها، وهي صفات قلّ أن تجتمع في رجلٍ كما اجتمعت فيه رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل ما قدمه من علمٍ وعملٍ وبرٍ وإحسانٍ في موازين حسناته.
ومن أعظم ما تجلّت فيه قوة إيمانه، وصدق يقينه، ما كان عليه في سنواته الأخيرة من الصبر والرضا بقضاء الله تعالى. فقد ابتُلي الشيخ الدكتور صالح بن علي بن صالح العقل بمرضٍ شديد لازمه قرابة ستة أعوام، عانى خلاله آلاماً ومتاعب صحية متواصلة، غير أن ذلك الابتلاء لم يغيّر من طبيعته الهادئة، ولا من رضاه وتسليمه لأمر الله تعالى.
فقد كان رحمه الله مثالاً للصابر المحتسب، يستقبل مرضه بقلبٍ مطمئن ونفسٍ راضية، مؤمناً بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه. ولم يُعرف عنه خلال تلك السنوات كلمةُ تذمرٍ أو امتعاض، ولم يُسمع منه شكوى تدل على تضجرٍ أو سخط، بل كان يواجه ما ألمّ به من معاناة بثبات المؤمن واحتساب الصالحين.
ومن دلائل قوة تحمله وعلو همته أنه كان قليل الحديث عن آلامه وأعراض مرضه، حتى مع الأطباء الذين يتابعون حالته، فلا يبالغ في وصف ما يجده من أوجاع، ولا يشغل من حوله بالشكوى أو التوجع، وكأنه يحرص على أن يحمل معاناته بصمتٍ ورضا، مستحضراً الأجر والثواب فيما يلقاه من ابتلاء.
وقد رأى فيه من حوله صورةً مشرقةً للصبر الجميل، فكان مرضه درساً عملياً في الرضا بقضاء الله وقدره، كما كانت حياته درساً في العلم والخلق والبر والورع. ولعل من أعظم ما يخلّد ذكر الإنسان أن يبقى ثابتاً على مبادئه في أوقات الشدة كما كان في أوقات العافية، وقد كان رحمه الله كذلك؛ ثابت الجنان، مطمئن النفس، حسن الظن بربه، حتى لقي الله بعد حياةٍ حافلةٍ بالعلم والعمل والإحسان.
وكانت وفاته -رحمه الله - في مدينة الرياض في مستشفى الملك خالد الجامعي يوم السبت (١٩/٣/١٤٣٣ هـ ، ونقل إلى بريدة وصلى عليه ودفن بمقبرة الموطأ، -رحمه الله - وغفر له.
رحم الله الشيخ الدكتور صالح بن علي العقل رحمةً واسعة، وجزاه عن علمه وتربيته وصبره خير الجزاء، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.
المرجع:-
1/ ما اعرفه شخصيا عنه
2/ سيرته الذاتية التي حصلت على نسخة منها.
3/ ما أضافه ابنه الأستاذ علي بن صالح العقل من معلومات.
جاري تحميل التعليقات...