كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
إن من أوثق الروابط التي جمعت بين أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان وأسرة الدخيل آل أبو عليان (أهل السادة)، ما نشأ بينهما من صلات قربى ومصاهرة امتدت عبر أجيال متعاقبة، حتى غدت هذه العلاقة مثالًا للمودة والوفاء وحسن التواصل بين الأسرتين.
فقد كان جد والدي محمد بن علي الجارالله العجلان من جهة والدته السيدة منيرة بنت صالح الدخيل هو الشيخ صالح بن عبدالله بن حمود الدخيل رحمه الله، كما أن جد أعمامي محمد وعبدالرحمن وحصة أبناء سليمان الجارالله من جهة والدتهم السيدة هيلة بنت صالح الدخيل هو الشيخ نفسه، وهو ما يعكس عمق الصلة بين الأسرتين، وما قامت عليه من الثقة والمحبة والتعاون.
وقد تجاوزت هذه العلاقة حدود المصاهرة، لتجسد صورة من صور التلاحم الأسري والاجتماعي والاقتصادي الذي كان سائدًا في ذلك الزمن، واستمرت آثارها المباركة في الأبناء والأحفاد، وبقيت ذكراها حاضرة في نفوس من عاصروها.
وكان للشيخ صالح الدخيل رحمه الله عدد من الأبناء والبنات، فمن أبنائه: علي وعبدالله رحمهما الله، ومن بناته: منيرة زوجة علي الجارالله العجلان ، ونورة صاحبة هذه السيرة زوجة سليمان الدخيل من أهل الزلفي ، ومزنة توفيت صغيرة ، وهيلة زوجة سليمان الجارالله العجلان ، وحصة زوجة سليمان بن عبدالله الخضر ، وشمّا زوجة محمد بن علي الكواري التميمي في قطر، وطرفة زوجة حسن الكواري التميمي في البحرين ، رحمهن الله جميعًا. وهؤلاء هم أخوال والدي محمد بن علي الجارالله، كما أنهم أخوال أبناء عمه: محمد وعبدالرحمن وحصة أبناء سليمان الجارالله.
ولما كنت قد أعددت في هذا الموقع سيرًا مختصرة لخالي والدي: الشيخ علي بن صالح الدخيل، والشيخ عبدالله بن صالح الدخيل رحمهما الله، والسيدة منيرة زوجة جدي علي الجارالله العجلان رحمهما الله رأيت أن من الوفاء لهذه الأسرة الكريمة أن أكتب سيرةً لأختهما خالة والدي نورة بنت صالح الدخيل رحمها الله. أستذكر فيها سيرتها لنترحم عليها ونذكر شيئًا من مآثرها وأخلاقها وفاءً لحقها وإحياءً لذكرها الطيب بيننا وبين أسرتها.
وقد كان والدي يحب خالاته جميعًا حبًا كبيرًا، وكان لخالته نورة منزلة خاصة في نفسه؛ إذ عرفها عن قرب بحكم ملازمته لها في مراحل من حياته، فكان يكنّ لها بالغ المحبة والتقدير، وكانت تبادله من الحنان والعطف مثل ذلك. ولمستُ هذا بنفسي من خلال ما رأيته من علاقتهما، وما عرفته عنها عن قرب من خلال احتكاكي المباشر بها في سنوات متفرقة. وقد تركت في نفسي انطباعًا لا يزال حاضرًا؛ لما كانت تتحلى به من طيبة القلب، وسلامة الصدر، والصبر على ما واجهته في حياتها من ابتلاءات، فكانت مثالًا للمرأة المؤمنة المحتسبة، رحمها الله رحمة واسعة.
تزوجت رحمها الله في مقتبل عمرها، غير أن حياتها الزوجية لم يكتب لها الاستقرار، فلم يدم زواجها طويلًا، وعادت بعد انفصالها إلى بيت أسرتها، حيث واجهت هذه المرحلة بالصبر والرضا، محتسبة أمرها إلى الله تعالى، دون أن يؤثر ذلك في حسن خلقها أو طيب معاشرتها لمن حولها.
ثم عوَّضها الله خيرًا، فكتب لها الزواج مرةً أخرى من الشيخ سليمان الدخيل، أحد أعيان محافظة الزلفي، فوجدت معه حياةً أكثر استقرارًا وطمأنينة، واستمر زواجهما قائمًا حتى وافتها المنية، رحمها الله. ولم يرزقها الله الذرية، فلم تنجب من زواجها الأول ولا من زواجها الثاني، إلا أنها كانت أمراه حنونًة وقريبةً من أبناء إخوتها وأخواتها وأقاربها، تبذل لهم من عطفها ورعايتها ما جعلها تحظى بمحبتهم وتقديرهم.
ومن أجمل ما أحتفظ به في ذاكرتي عنها كثرة زياراتها لنا، سواء حين كنا نقيم في مدينة بريدة، أو بعد انتقالنا وانتقال أسرتها إلى مدينة الرياض؛ فما أكاد أذكر زيارةً لها إلا وكانت تدخل بيتنا وهي تحمل معها أصنافًا متنوعة من الحلوى والبسكويت، وكأنها تعلم مقدار ما يبعثه ذلك في نفوسنا نحن أحفاد أختها منيرة بنت صالح الدخيل من فرحٍ وشوق.
وكانت، ما إن ترتشف فنجان القهوة، حتى تبادر إلى إخراج ما أحضرته وتوزيعه علينا بمحبة وسخاء، فنلتف حولها بلهفة الأطفال، لا شوقًا إلى الحلوى وحدها، بل شوقًا إليها هي، وإلى أحاديثها العذبة، وسواليفها الممتعة، وما كانت تختزنه ذاكرتها من أخبار الأسرة وأشعارها.
وكان من أمتع ما نسمعه من خالتي نورة رحمها الله تلك الأبيات التي حفظتها عن أختها منيرة بنت صالح الدخيل، والدة والدي، والتي كانت تنشدها شوقًا إلى زوجها علي بن جارالله العجلان العقيلي، حين كان يطيل الغياب في رحلات العقيلات إلى بلاد الشام ومصر طلبًا للتجارة والرزق. وقد ظلت تلك الأبيات راسخة في ذاكرتها، ترددها كلما جرى الحديث عن تلك الأيام، فتأخذنا معها إلى زمن مضى، وتحيي في نفوسنا صورًا صادقة من حياة الأسرة، وما كان يكتنفها من المحبة والوفاء، وتجسد ما كانت تجده أختها من لوعة الفراق، وشدة الشوق، وترقب عودة زوجها سالمًا. وحتى اليوم، لا تزال تلك المجالس، وذلك الإنشاد العفوي، من أحب الذكريات التي استقرت في وجداني، ثم كانت تردد قائلة:
امس الضحى طبو الشيبان ودموع عيني ذواريفي
شهقت قالوا ارفقي يازين عند الجلوي على كيفي
والله ماقلت لك جوعان مير الشتاء يتبعه صيفي
هذه يا علي سنين ماهيب أيام العمر زرع على هيفي
كما قالت رحمها الله:
الله يسخر لبن عجلان حنية عزيز وله هيبة
الله يسخر له التجار عسى كل يعلي به
طلعت انا يوم الخميس ماغير اناظر عزوتي
قمت اتعوذ من ابليس بغيت اشرح غدفتي
ياخالقي غصب علي يا محمد ضايق صدري
دمع عيني وش اسويبه عيشتي فنجال من الفجر
والغدا تراي ما أدلى به عقب حصة عاد وشليبه
وكانت رحمها الله طيبة القلب، دمثة الأخلاق، حسنة المعشر، محبوبةً لدى من عرفها، بارةً بوالديها، واصلةً لإخوانها وأخواتها، حريصةً على صلة رحمها، لا تدخر وسعًا في الإحسان إلى أقاربها ومن حولها. كما عُرفت بحبها للبر والصدقة، فكانت تنفق من مالها ابتغاء مرضاة الله، وتعطف على الفقراء والمساكين، وتجد في قضاء حوائجهم وإدخال السرور عليهم سعادةً وراحةً، راجيةً ما عند الله من الأجر والثواب.
وفي أواخر حياتها أُدخلت مستشفى الملك خالد الجامعي بمدينة الرياض إثر مرضٍ ألمَّ بها، ولم يمهلها طويلًا. ثم انتقلت إلى رحمة الله تعالى عام 1432هـ، بعد حياةٍ حافلة بالصبر والإيمان وحسن الخلق.
وصُلِّي عليها في جامع الراجحي بمدينة الرياض، ثم ووريت الثرى في مقبرة النسيم، رحمها الله رحمةً واسعة، وغفر لها، وجعل ما أصابها رفعةً في درجاتها، وأجزل لها المثوبة، وجمعها بوالديها وأحبتها في جنات النعيم.
جاري تحميل التعليقات...