الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان ودوره في ازدهار بريدة الزراعي والاقتصادي


مقال بمناسبة مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور 1448 هـ – 2026م


كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان


تعيش مدينة بريدة هذه الأيام أجواء مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور لعام 1448 هـ – 2026 م، الذي يمثل أحد أبرز المواسم الاقتصادية والزراعية في منطقة القصيم، ويجسد المكانة التاريخية التي احتلتها النخلة والتمور في حياة أهل بريدة واقتصادهم.

وقد تُوِّج كرنفال بريدة الدولي للتمور بإنجاز عالمي، حيث تسلّم صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة القصيم، في 14 ربيع الآخر 1446هـ، شهادة موسوعة غينيس للأرقام القياسية، التي تُوِّج بها الكرنفال بصفته أكبر كرنفال للتمور في العالم.

وقد افتتح مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور في أوائل شهر أغسطس 2026م، ويستمر لمدة 75 يومًا، ويجمع بين النشاط الاقتصادي والزراعي والثقافي والسياحي، بما يعكس التطور الكبير الذي وصلت إليه صناعة التمور وتسويقها في المنطقة.

وتأتي هذه المناسبة فرصة مناسبة للعودة إلى تاريخ بريدة، واستحضار جهود أحد أبرز أمرائها في تاريخها، وهو الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من مراحل نمو بريدة واستقرارها، وبناء قوتها الاقتصادية والاجتماعية.

اشتهرت بريدة منذ القدم بالزراعة والتجارة، وكانت النخيل والتمور من أهم مقومات اقتصادها، إلى جانب الحبوب والخضروات وغيرها من المنتجات الزراعية.

ولم تكن بريدة مدينة زراعية فحسب، بل كانت كذلك مدينة تجارية نشطة، ارتبطت بالطرق والقوافل والأسواق، واستفادت من موقعها الجغرافي ومن خبرة أهلها المتوارثة في التجارة والزراعة.

وقد وصف الرحالة والمؤرخون بريدة وأهلها بما يعكس هذا النشاط التجاري، ومن ذلك ما نقله الرحالة الفرنسي شارل هوبير عند زيارته لها في القرن الثالث عشر الهجري، من وجود عدد كبير من الحوانيت والأسواق فيها.

كما نقل المؤرخ والرحالة أمين الريحاني عند زيارته لبريدة في أوائل القرن العشرين الميلادي وصفًا لأهلها بقوله إنهم لا يعرفون إلا التجارة والصلاة، وهو وصف يعكس ما عُرفت به المدينة من نشاط تجاري وحياة دينية واجتماعية.

ومن هنا يمكن فهم العلاقة الوثيقة بين الزراعة والتجارة في تاريخ بريدة؛ فالمزارع لم تكن مجرد مصدر للغذاء، وإنما كانت جزءًا من منظومة اقتصادية متكاملة، تنتج وتبيع وتتبادل منتجاتها مع المناطق الأخرى.

يعد الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان من أبرز أمراء القصيم ويؤسس لمرحلة مهمة في تاريخها :

وتشير الدراسة الأكاديمية التي أعدها الباحث عمرو بن إبراهيم العمرو بجامعة القصيم إلى أن إمارة حجيلان امتدت من 1194هـ إلى 1234هـ / 1780م إلى 1818م، وهي فترة قاربت أربعة عقود، وكانت مرحلة مهمة في تاريخ بريدة من الناحيتين الاقتصادية والاجتماعية.

وتكمن أهمية هذه الفترة في أنها لم تكن مرحلة عادية في تاريخ نجد؛ فقد شهدت أحداثًا سياسية وعسكرية كبيرة، وكان على أمراء المدن آنذاك أن يوازنوا بين حماية مدنهم والمحافظة على استقرار السكان ومصالحهم الاقتصادية.

ولهذا فإن الحديث عن دور حجيلان في المجال الزراعي ينبغي ألا يُفهم وفق مفهوم الزراعة الحديثة؛ فلم تكن في ذلك العصر وزارة للزراعة أو مشاريع زراعية حكومية أو برامج للتنمية الزراعية كما نعرفها اليوم.

وإنما كان دور الأمير في ذلك الزمن يتمثل بصورة أساسية في توفير الأمن والاستقرار، وحماية المدينة والسكان والممتلكات والطرق ومصادر المياه، وهي أمور كانت تمثل الأساس الذي تقوم عليه الحياة الزراعية والتجارية.

إن من أهم ما يمكن ربطه بعهد الأمير حجيلان بن حمد مسألة الأمن والاستقرار.

فالزراعة في بريدة كانت تعتمد على الآبار والسواني والعمل اليدوي، وكانت المزارع والبساتين تحتاج إلى الاستقرار والحماية حتى يستطيع أصحابها زراعة الأرض والعناية بالنخيل والمحاصيل.

ومن هنا فإن حماية المدينة ومزارعها وطرقها لم تكن مسألة أمنية منفصلة عن الاقتصاد، بل كانت جزءًا من حماية الثروة الزراعية نفسها.

ومن أبرز الشواهد على ذلك ما حدث سنة 1196 هـ عندما تعرضت بريدة لحملة سعدون بن عريعر، فواجه أهلها الحملة، وكان حجيلان بن حمد من أبرز من تولى قيادة الدفاع عنها، واستمر الحصار مدة طويلة قبل أن تنسحب الحملة دون أن تتمكن من إخضاع المدينة.

وقد كان لسور بريدة الذي اكتمل في بداية عهد حجيلان دور مهم في حماية المدينة خلال تلك الأحداث، وتذكر المصادر أن السور كان مكتملًا عندما حاصر سعدون بن عريعر بريدة سنة 1196 هـ.

ولا شك أن حماية المدينة في ذلك الوقت كانت تعني حماية سكانها وأموالهم وممتلكاتهم، ومن بينها المزارع والبساتين والنخيل.

كانت المياه ولا تزال عصب الحياة والأساس الأول للزراعة في بريدة والقصيم.

ففي عصر حجيلان لم تكن هناك شبكات مياه حديثة ولا أنظمة ري آلية، وإنما كانت الزراعة تعتمد على الآبار والسواني والجهد المتواصل الذي يبذله المزارعون في استخراج المياه وري نخيلهم ومحاصيلهم.

ولهذا فإن المحافظة على الأمن في محيط الآبار والمزارع، وحماية حقوق الناس وممتلكاتهم، كانت من أهم عوامل استمرار النشاط الزراعي.

ومن الخطأ التاريخي أن ننسب إلى الأمير حجيلان مشاريع زراعية محددة بالمعنى الحديث من غير وجود نص تاريخي صريح يثبت ذلك، ولكن من الصحيح أن ننظر إلى عهده باعتباره مرحلة كان فيها الأمن والاستقرار وحماية المجتمع من أهم العوامل التي مكنت النشاط الزراعي والاقتصادي من الاستمرار والنمو.

لم تكن منتجات بريدة الزراعية مخصصة للاستهلاك المحلي وحده؛ فقد ارتبطت الزراعة بالتجارة، وكانت التمور والخضروات وغيرها من المنتجات الزراعية تدخل في النشاط التجاري الذي عرفت به بريدة.

وهنا تظهر أهمية موقع المدينة واستقرارها؛ فكلما زاد الأمن، أمكن للمزارع أن ينتج، وللتاجر أن يشتري ويبيع، وللقوافل أن تتحرك، وللأسواق أن تنشط.

وهذا الترابط بين الأمن والزراعة والتجارة يجعل من الممكن فهم جانب مهم من أثر حجيلان بن حمد في الحياة الاقتصادية لبريدة، دون الحاجة إلى نسبة مشاريع زراعية محددة إليه لا تذكرها المصادر.

إن أهمية عهد حجيلان لا تقتصر على الجانب العسكري والسياسي، وإنما تمتد إلى الأحوال الاقتصادية والاجتماعية للمدينة.

ولعل من أهم المراجع في هذا الجانب رسالة الماجستير التي قدمها الباحث عمرو بن إبراهيم العمرو إلى جامعة القصيم بعنوان:

«بريدة في عهد إمارة حجيلان بن حمد آل أبو عليان: 1194–1234هـ / 1780–1818م».

وقد تناولت الرسالة تاريخ بريدة في عهد حجيلان، ودرست جوانب من الأحوال الاقتصادية والاجتماعية والحملات التي تعرضت لها المدينة، وهي دراسة أكاديمية متخصصة نوقشت في جامعة القصيم سنة 1431هـ، وأجيزت بدرجة الماجستير.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في أنها تتيح للباحث أن يتعامل مع عهد حجيلان بوصفه مرحلة تاريخية متكاملة، لا باعتباره مجموعة من الأحداث العسكرية المنفصلة.

من نخلة الأمس إلى نخلة اليوم :

عندما ننظر اليوم إلى مهرجان وكرنفال بريدة الدولي للتمور، وما يشهده من حركة اقتصادية ضخمة، فإننا ندرك مدى عمق الجذور التاريخية التي قامت عليها هذه المكانة.

ففي أغسطس 2026م  وحده، سجل الكرنفال خلال أول خمسة عشر يومًا مبيعات تجاوزت 98 مليون ريال، وبلغت كميات التمور المتداولة أكثر من 8,264 طنًا، مع أكثر من 12 ألف سيارة واردة إلى الكرنفال.

وهذه الأرقام الحديثة لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من العناية بالنخلة والزراعة والتجارة في بريدة والقصيم.

فالنخلة التي كانت مصدرًا للغذاء والدخل في الماضي، أصبحت اليوم جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية متطورة، تشمل الإنتاج والتعبئة والتسويق والتصدير والسياحة الزراعية والصناعات المرتبطة بالتمور.

وهنا تبرز المفارقة الجميلة بين الماضي والحاضر:

بالأمس كانت السواني تروي نخيل بريدة، واليوم تروي التقنيات الحديثة والمشاريع الزراعية هذا الإرث الممتد عبر القرون.

أثر حجيلان.. من الأمن إلى الاقتصاد :

عند الحديث عن الدور الزراعي للأمير حجيلان بن حمد، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي أن نقول إننا لا نملك – فيما وقفنا عليه من المصادر – ما يكفي لإثبات أنه أقام مشروعًا زراعيًا محددًا أو وضع برنامجًا زراعيًا بالمعنى المعروف في العصر الحديث.

ولكننا نستطيع أن نفهم أثر عهده من خلال منظومة أوسع:

الأمن أدى إلى الاستقرار، والاستقرار مكّن الناس من العمل، والعمل دعم الزراعة، والزراعة غذّت التجارة، والتجارة أسهمت في قوة بريدة الاقتصادية.

وهذه السلسلة من العلاقات هي التي تجعل دراسة عهد حجيلان مهمة عند الحديث عن تاريخ بريدة الاقتصادي والزراعي.

فالأمير الذي يحمي المدينة ويحافظ على أمنها ويحمي ممتلكات أهلها وطرقها على مدى أربعة عقود، إنما يحمي في الوقت نفسه البيئة التي تقوم عليها الزراعة والتجارة.

حجيلان والدفاع عن الدولة السعودية الأولى :

ولا يمكن الحديث عن عهد الأمير حجيلان بن حمد دون الإشارة إلى دوره السياسي والعسكري في تلك المرحلة، فقد كان من الأمراء الذين ارتبطوا بالدولة السعودية الأولى، ووقفوا إلى جانبها ودافعوا عنها في مواجهة القوى التي سعت إلى إضعافها.

وكانت بريدة في عهده جزءًا مهمًا من المشهد السياسي والعسكري في نجد، ولذلك لم يكن دور حجيلان مقتصرًا على إدارة شؤون مدينته، بل امتد إلى المشاركة في الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال تلك الحقبة.

وهذا الجانب من سيرته يزيد من أهمية عهده؛ إذ جمع بين القيادة السياسية، والدفاع عن المدينة، والمحافظة على استقرار المجتمع ومصالحه الاقتصادية في فترة كانت من أكثر فترات تاريخ نجد حرجًا واضطرابًا.

إن مهرجان بريدة للتمور في عام 1448هـ – 2026م ليس مجرد موسم لبيع التمور، وإنما هو مناسبة نستعيد من خلالها جانبًا مهمًا من تاريخ مدينة عريقة ارتبط اسمها بالنخلة والزراعة والتجارة.

ومن الجميل أن نتذكر في هذه المناسبة أحد أبرز أمراء بريدة، الأمير حجيلان بن حمد آل أبو عليان، الذي عاش في مرحلة تاريخية صعبة، واستطاع أن يثبت نفوذه ويحافظ على استقرار بريدة والقصيم، وأن يؤدي دورًا بارزًا في الدفاع عنها، وفي الوقوف إلى جانب الدولة السعودية الأولى.

وإذا كانت بريدة اليوم تستقبل التجار والمتسوقين من مختلف مناطق المملكة ودول الخليج والعالم، وتشهد حركة اقتصادية وزراعية كبيرة في موسم التمور، فإن ذلك يمثل امتدادًا حديثًا لإرث قديم عرفته المدينة منذ قرون.

لقد تغيرت الأدوات، وتطورت وسائل الزراعة والري والتسويق، واتسعت الأسواق من السوق المحلي إلى السوق العالمي، لكن النخلة بقيت حاضرة، وبقيت بريدة وفية لعلاقتها التاريخية بالزراعة والتمور والتجارة.

ومن هنا فإن استحضار سيرة الأمير حجيلان بن حمد في مناسبة مهرجان بريدة للتمور هو استحضار لمرحلة من تاريخ المدينة، حين كان الأمن والاستقرار وحماية الأرض والماء والإنسان هي الأسس التي مكنت بريدة من مواصلة مسيرتها الاقتصادية والعمرانية، حتى أصبحت اليوم واحدة من أبرز مدن المملكة في مجال التمور والزراعة والتجارة.

رحم الله الأمير حجيلان بن حمد، ورحم رجال بريدة الأوائل الذين غرسوا النخيل، وحفروا الآبار، وعمروا الأرض، وأسهموا في بناء هذه المدينة التي نراها اليوم شامخة مزدهرة.

وإن ما تشهده بريدة اليوم من نهضة زراعية واقتصادية إنما هو امتداد لمسيرة طويلة من العمل والعطاء، تحظى اليوم بدعم واهتمام خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز – حفظهما الله –، وبرعاية واهتمام صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور فيصل بن مشعل بن سعود بن عبدالعزيز، أمير منطقة القصيم، الذي أسهم في دعم التنمية الزراعية والاقتصادية والسياحية في المنطقة، وتعزيز مكانة القصيم وبريدة على المستويين المحلي والدولي.

وهكذا تواصل بريدة مسيرتها؛ من نخلة الأمس التي كانت تُروى بالسواني، إلى نخلة اليوم التي أصبحت عنوانًا لاقتصاد زراعي متطور، ومن سوق الأمس إلى مهرجان وكرنفال عالمي يستقطب الزوار والتجار من داخل المملكة وخارجها.

إنها قصة مدينة عرفت قيمة الأرض والماء والنخلة والتجارة، وحافظت على إرثها، وطورت حاضرها، وتتطلع إلى مستقبل أكثر ازدهارًا بإذن الله.