:
ذكريات الطفولة في الأحياء القديمة من حي الخالدية بمدينة بريدة إلى أحياء مدينة الرياض
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان
هناك أماكن لا تغادر الذاكرة، مهما ابتعدنا عنها، ولا تفقد حضورها مهما امتدت بنا السنوات. فهي ليست مجرد أحياء وشوارع وبيوت، بل صفحات من العمر، شهدت بداياتنا الأولى، وحفظت خطواتنا الأولى، واحتضنت أجمل سنوات الطفولة.
كان حي الخالدية في بريدة أول تلك الصفحات؛ ويقع الحي شرق مدينة بريدة ويعد من الأحياء التاريخية القديمة العريقة التي تشكلت خلال المائة سنة الماضية والتي ظهرت ملامحها خلال القرن الماضي، ويُنظر إليه كواحد من الأحياء التي سكنها عدد كبير من الأسر الموسرة والبارزة من أهل بريدة آنذاك. وهو قريب من سوق الجردة ومن حي السادة القديم.
ومن المعالم الرئيسية التي تشكلت في الحي عند إنشائه مبنى امارة المنطقة القديم ومبنى مستشفى بريدة المركزي ومبنى الشرطة القديم ومبنى الدفاع المدني ومبنى المعهد العلمي ومبنى المدرسة الثانوية ومبنى جامع الشيخ ابراهيم الجردان ومبنى مدرسة الخالدية الابتدائية الطيني.
ويقع منزلنا في هذا الحي الذي اشتراه الوالد رحمه الله جنوب مسجد ابراهيم الجردان ، وعلى شارعين متظاهرين أحدهما ينتهي في أحد أبواب جامع الشيخ ابراهيم الجردان -رحمه الله-. ويتكون المنزل من طابقين الطابق العلوي ، يوجد به غرفة يطلق عليها الروشن خاصة بالوالد ، وبعض الغرف الأخرى الخاصة بنا.
والطابق الارضي ، وفيه الليوان ، ويحتوي على عدد من أشجار النخيل ، وشجرة واحدة من الأترنج وبئر للماء، كما يحتوي على مطبخ ومجلس الرجال (القهوة) ففي هذا البيت كانت ولادتي في صيف عام 1381، في ذلك المنزل الطيني الكبير.
واستمر سكننا بهذا المنزل مع الاسرة ، حتى منتصف سنة 1382 هجرية
وبعد حوالي سنتين من ولادتي أقام والدي رحمه الله فيلتنا المسلحة والنادرة في مدينة بريدة آنذاك وفي أجواء هذا الحي عشت السنوات الأولى من طفولتي، بين بيوتٍ متقاربة، وجيرانٍ يعرف بعضهم بعضًا، وحياةٍ بسيطةٍ يغلب عليها الترابط والألفة. فقد كانت الأحياء القديمة تتميز بروحٍ اجتماعية خاصة؛ فالجيران أهل، والبيوت متقاربة، والأطفال يجدون في الحي عالمًا واسعًا للّعب واللقاء واكتشاف الحياة.
ومن سكان الحي الذين عرفتهم الاسر الكريمة التالية :- أسرة الحصين ، واسرة العم سليمان الجارالله العجلان ، واسرة الجردان وأسرة العميم ، وأسرة القاسم ، وأسرة البريدي ، وأسرة النقيدان ، وأسرة التويجري ، وأسرة العجلان ، وأسرة العمار ، وأسرة الهذال وأسرة النغيمشي ، و أسرة الدخيل ، وأسرة الصائغ الحميد ، وأسرة الرشود وأسرة اللهيب ، وأسرة السبيل، وأسرة الغنام ، وأسرة الفنتوخ ، وأسرة الخريجي ، واسرة الجاسر، وأسرة السلمي وأسرة الدغيم ، واسرة العواد ، واسرة السلمان ، وأسرة العجمي ، وأسرة الضحيان، وأسرة البشر، وأسرة أباالخيل، وأسرة البراك وأسرة النقيدان، وأسرة العرفج، وأسرة المنسلح ،وأسرة الدرويش، وأسرة العقل، وأسرة النجيدي.
كما سكن الحي ايضا أسرة الرشودي، و أسرة الرشيد ،وأسرة القوسي، وأسرة الدوسري، وأسرة السويد ، وأسرة السلطان ، وأسرة الدبيب ، وأسرة الضبيعي وأسرة الثنيان ،وأسرة العيدان ، وأسرة الحميدة ،وأسرة المشيقح ، وأسرة العلندا وغيرها من الأسر الكريمة الكثيرة التي لا تحضرني اسماؤها في الوقت الحاضر.
ومما أذكره عن تاريخ الحي أن المؤذن لجامع الجردان الذي تم بناؤه عام 1363هـ،على نفقة والدة الأمير عبدالله بن فيصل آل فرحان هو الجد علي الجارالله العجلان حتى عام 1385 حيث أصيب بمرضه الذي أقعده عن الحركة والأذان. فقد كان ينطلق في صحته الى المسجد ويعتلى منارته الطويلة ، ذات الدرج الطيني ، المتعرج ، والمتهدم بعضها من أثر الصعود ، والنزول ، ليؤذن في قمتها بالمسلمين ، وقد نصحه الوالد رحمهما الله بعدم الصعود إلى المنارة ، والاكتفاء بالأذان من سطح المسجد نظرا لتقدمه في العمر رحمه الله ، إلا أنه كان مصرا على الأذان في أعلى المنارة.
كما أنه كان يقوم بمهمة الإمام حين غيابه وكان الأمام حينها فضيلة الشيخ محمد السبيل رحمه الله وذلك أثناء عمله أستاذاً في المعهد العلمي في بريدة، أي قبل انتقاله لاحقاً إلى مكة المكرمة وتعيينه إماماً وخطيباً في المسجد الحرام، وهو المنصب الذي اشتهر به على مدى عقود.
وجود الشيخ السبيل في جامع الجردان يعطي أهميّة تاريخية للمسجد، إذ كان من العلماء البارزين في المنطقة قبل شهرته اللاحقة على مستوى العالم الإسلامي.
ولا أنسى الخبّاز اليمني الذي كان يدير مخبزًا صغيرًا يقع في طرف بيت الدخيل، وكان من ضمن ما يبيعه الخبز الحار، إضافة إلى دخان السجائر للكبار.
ومن المشاهد التي ما زالت عالقة في ذاكرتي، أنني كنت أستغرب وجود حمار يأتي كل صباح إلى المخبز، وقد عُلّق في رقبته «عِلاق» ــ وهي شنطة صغيرة من القماش ــ فيأتي الخبّاز إليه، فيأخذ العِلاق من رقبته، ويمد يده إلى داخله، فيجد الريال الموضوع فيه، فيأخذ قيمته من الخبز، ثم يعيد وضع الخبز في العِلاق ويعلّقه مرة أخرى في رقبة الحمار، فيعود الحمار من حيث أتى دون أن يرافقه أحد!
وقد أثار هذا المشهد فضولي وأنا طفل، فتتبعت ذات يوم مسيرة هذا الحمار، لأكتشف أنه يأتي من «العكيرشة»، التي كانت تبعد عن المخبز قرابة خمسة كيلومترات، ويقطع هذه المسافة كل صباح ليشتري الخبز لصاحبه، ثم يعود إليه محمّلًا بما اشتراه.
وكان هذا المشهد بالنسبة لي آنذاك أمرًا عجيبًا؛ فقد كان الحمار يعرف الطريق، ويعرف المخبز، ويعرف صاحبه، ويعرف أن ما في العِلاق من نقود مخصص لشراء الخبز! وهي صورة بسيطة من صور الحياة في ذلك الزمن، لكنها بقيت في الذاكرة بكل تفاصيلها، لأنها تختصر بساطة الناس، وثقتهم، وطبيعة الحياة اليومية في الأحياء القديمة.
وعندما بلغت السادسة من عمري، بدأت مرحلة جديدة مع المدرسة، والتحقت بمدرسة الخالدية ببريدة، القريبة من منزلنا وكانت تلك الخطوة الأولى في طريق التعليم، وبداية علاقةٍ طويلة مع المدرسة والكتاب والمعلمين والزملاء.
الانتقال إلى الرياض والسكن في حلة القصمان
بعد أن رُشّح والدي رحمه الله للالتحاق بدورة في معهد الإدارة العامة بالرياض، للحصول على شهادة في برنامج التدريب للإدارة المتوسطة، وذلك خلال الفترة من عام 1388هـ إلى عام 1389هـ، انتقلنا إلى مدينة الرياض، وسكنا في حلة القصمان طوال مدة وجوده في المعهد.
وكانت تلك أولى مراحل تعرفي على مدينة الرياض عن قرب، حيث بدأت أتعرف على أبناء الحي الذين هم في مثل سني، وأعيش معهم بعض تفاصيل الحياة اليومية في ذلك الزمن.
وبعد أن أنهى والدي رحمه الله فترة التدريب، عاد إلى عمله في بريدة، ثم ما لبث أن حظي بترقية إلى وظيفة في مدينة الرياض، فعاد إليها مرة أخرى، وانتقلنا إلى الحي نفسه، وواصلت دراستي في المدرسة الخالدية بالرياض، التي كنت قد التحقت بها، وواصلت الدراسة فيها حتى نهاية المرحلة الابتدائية وكان مديرها الاستاذ سعد الدلقان رحمه الله ومن الاساتذة عبدالرحمن البليهد رحمه الله والأستاذ عبد العزيز بن سعد الخراشي وغيرهم.
وكانت حلة القصمان آنذاك تقع في منطقة حيوية، وتتوسط عددًا من الأسواق والمحلات التجارية المعروفة في الرياض، فكانت تنتشر فيها محلات التموينات والمخابز والمطاعم، فضلًا عن قربها الشديد من شارع الوزير، الذي كان من الشوارع التجارية المهمة في ذلك الوقت، وتنتشر فيه المحلات الحديثة والعصرية، التي كان يدير كثيرًا منها الشوام والأردنيون واللبنانيون، وقد كان ذلك يضفي على المنطقة حركة تجارية وحياة اجتماعية مميزة.
وكان معظم سكان الحلة من أهل القصيم، وهو ما جعلها بيئة مألوفة لوالدي رحمه الله، وقريبة كذلك من مقر عمله. ولهذا اجتهد في البحث عن منزل مناسب للأسرة، حتى وقع اختياره على منزل قريب من شارع المرقب وبالقرب من المنطقة الرابعة، حيث مركز الشرطة.
وكان المنزل من البيوت المسلحة في ذلك الوقت، واسعًا وشرحًا، وفي داخله فناء كبير، وخلفه حوش ومرافق متعددة، وكان مناسبًا لنا ولأسرتنا من حيث المساحة والموقع.
ومن الجيران الذين أذكرهم في تلك المرحلة عمي المحامي محمد بن سليمان الجارالله العجلان آل أبو عليان، وكذلك أسرة الجنيفي، وأسرة العمار، وأسرة العيسى، وأسرة العصيمي، وأسرة الرومي، وأسرة المطوع، وأسرة الرسي، وأسرة الرميح، وأسرة العمرو، وأسرة الحيدان، وأسرة الشماسي، وغيرهم من الأسر التي كانت تسكن الحي.
وكان اجتماع هذه الأسر، ولا سيما أسر أهل القصيم، من السمات الجميلة التي ميزت الحي، حيث كانت العلاقات بين الجيران قائمة على المعرفة والمودة والتواصل، وكان الحي في تلك السنوات عالمًا صغيرًا نعيش فيه تفاصيل طفولتنا، ونكوّن فيه صداقاتنا وذكرياتنا التي بقيت راسخة في الذاكرة إلى اليوم.
خالي ناصر والزي العسكري
ومن المشاهد التي لا تزال عالقة في ذاكرتي من طفولتي في حلة القصمان، زيارة خالي ناصر بن سليمان العمران لنا، وكان في ذلك الوقت طالبًا في كلية قوى الأمن الداخلي بالرياض.(تقلد لاحقا رتبة لواء)
وكان خالي يأتي إلينا في إجازة نهاية كل أسبوع، ويقضي إجازته معنا، إذ كانت أسرته تقيم في مدينة بريدة بمنطقة القصيم. وكان أكثر ما يلفت انتباهي، وأنا في تلك السن، أنه كان يأتي مرتديًا زيه العسكري، الذي كان مميزًا وأنيقًا في نظرنا نحن الأطفال، ويثير فضول من هم في مثل سني.
فكنت أترقب قدومه، وأتأمل ذلك الزي الرسمي وما يضفيه على صاحبه من هيبة وأناقة، وكان حضوره في الحي بزيه العسكري مشهدًا لافتًا بالنسبة لي، وظل هذا المشهد من الذكريات الجميلة التي ارتبطت بمرحلة طفولتي في حلة القصمان.
ولعل هذه التفاصيل الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في نظر الآخرين، هي التي تمنح ذكريات الطفولة قيمتها؛ فهي لا تحفظ لنا الأحداث الكبيرة فحسب، بل تحفظ أيضًا الأشخاص والملابس والأماكن والمشاهد التي صنعت عالمنا الأول، وبقيت صورتها حاضرة في الذاكرة رغم مرور السنين.
أول زواج في بيت حلة القصمان
وفي هذا المنزل في حلة القصمان، شهدت أول زواج لأختي الكبيرة أم محمد ، فقد تزوجت وزفّت إلى زوجها وأنا لا أزال طفلًا.
وأذكر أنني حزنت حزنًا شديدًا لفراقها، فقد كانت قريبة مني، وكنت أستشعر معنى الفراق رغم صغر سني. وما زلت أذكر ذلك الموقف وكأنه أمام عيني؛ فقد دمعت عيناي من شدة حزني، ووقفت أمام إحدى المرايا الموجودة في البيت، أنظر إلى عيني وهما تدمعان لفراق أختي.
وقد يبدو هذا الموقف بسيطًا في تفاصيله، لكنه بقي راسخًا في ذاكرتي؛ فربما كانت تلك من أولى المرات التي شعرت فيها، وأنا طفل، بأن البيت الذي اعتدنا أن نجتمع فيه يمكن أن يتغير، وأن أفراد الأسرة قد يغادرونه إلى حياة جديدة، وأن الفرح بالزواج قد يحمل في قلب الطفل الصغير شيئًا من الحزن على فراق من يحب.
بدايات المراهقة وألعاب الحارة
وفي هذا المنزل أيضًا شهدت بدايات مراهقتي، وكانت مرحلة جميلة من مراحل العمر، عشت فيها مع أبناء الحارة تفاصيل لا تزال حاضرة في ذاكرتي إلى اليوم.
كنا، أنا وأخواني وبقية أبناء الحارة، نخرج إلى الأسواق والقصيريات القريبة من منزلنا، ولا سيما في وقت القيلولة، حين كان أصحاب المحلات يغلقون متاجرهم ويذهبون إلى الراحة. فكنا نستغل هدوء الأسواق وخلوها من الحركة، ونلعب في أطراف القصيريات وبين المحلات، ونقضي ساعات طويلة في اللهو والمرح.
وكانت لنا ألعاب شعبية كثيرة، من بينها لعبة (البراجونة) وعظيم سَرّا، إلى جانب ألعاب أخرى اعتدنا ممارستها في ذلك الوقت، كما كانت كرة القدم حاضرة بقوة في حياتنا اليومية.
وكنا نلعب كرة القدم عند باب يُعرف باسم باب مستودع الشماسي، وكان بابًا كبيرًا أسود اللون، فاتخذناه مرمى لنا، وكنا نتجمع عنده ونخوض مبارياتنا بحماس الطفولة وروح المنافسة، دون أن نملك من أدوات اللعب إلا القليل، ولكننا كنا نملك الكثير من الحماس والفرح.
واليوم، حين أستعيد تلك الذكريات، أدرك أن أجمل ما فيها لم يكن الألعاب وحدها، وإنما الصحبة، وروح الجماعة، والحي الذي كان يجمعنا، وتلك الأيام التي عشناها ببساطة وعفوية، وتركت في نفوسنا ذكريات لا تزال تعيش معنا حتى اليوم.
ولم تقتصر علاقتنا بكرة القدم على اللعب العابر، بل تطورت إلى تأسيس فريق خاص بنا أطلقنا عليه اسم «فريق المجد». وذهبنا إلى أحد الخطاطين، وطلبنا منه أن يكتب لنا اسم الفريق، ثم اشترينا فنائل (شيرتات) خاصة بالفريق، وطبعنا عليها اسم المجد من الخلف، ووضعنا لكل لاعب رقمًا خاصًا به. وكنت أحد مدافعي الفريق.
وكنا نشعر بالفخر ونحن نرتدي تلك الفنائل، وكأننا فريق محترف له تاريخه وشعاره ومبارياته! وكنا نباري فرق الأحياء القريبة من حينا، ونخوض معها مباريات يسودها الحماس والمنافسة والروح الرياضية.
ولم نكتفِ بذلك، بل قمنا بإعداد ملعب خاص لنا في حي الغرابي، وأصبح لنا مكان نلتقي فيه لممارسة كرة القدم، ونقضي فيه أوقاتًا طويلة، خصوصًا في العطل والإجازات.
كانت تلك الأيام بسيطة في إمكاناتها، لكنها غنية بالفرح والصداقة والمغامرة. فلم تكن لدينا وسائل الترفيه الكثيرة التي يعرفها أبناء هذا الجيل، ولذلك كنا نصنع لأنفسنا عالمنا الخاص؛ نحول بابًا أسود إلى مرمى، ونؤسس فريقًا لكرة القدم، ونذهب إلى الخطاط لنكتب اسم فريقنا على القمصان، ونعيش تلك التفاصيل الصغيرة وكأنها إنجازات عظيمة.
كرة الطائرة قبل المدرسة
وفي أواخر المرحلة الابتدائية، كانت دراستنا في فصل الشتاء، وكانت الأجواء الباردة تضفي على تلك الأيام طابعًا خاصًا. وكنا نستيقظ مبكرًا ونستعد للذهاب إلى المدرسة، لكننا لم نكن نذهب إليها مباشرة.
ففي بعض الشوارع القريبة من منزلنا كانت المساحة ضيقة، فكنا نستغلها بطريقة بسيطة ومبتكرة؛ إذ نضع شبكة بين جدارين، ونحوّل الشارع إلى ملعب صغير لكرة الطائرة، ثم نبدأ اللعب مع أبناء الحارة قبل موعد دخولنا إلى المدرسة.
وكنا نستمر في اللعب حتى يقترب وقت المدرسة، فنترك الكرة والشبكة ونتوجه إليها، وكأننا بدأنا يومنا الرياضي قبل أن يبدأ يومنا الدراسي!
كانت إمكاناتنا بسيطة جدًا، لكننا كنا نعرف كيف نصنع منها المتعة؛ فالشارع ضيق وشبكة بين جدارين كانا كافيين ليصبح المكان ملعبًا يجتمع فيه أبناء الحي، وتبقى فيه أصواتنا وضحكاتنا جزءًا من صباحاتنا الجميلة.
وحين أستعيد هذه الذكريات اليوم، أتذكر كيف كانت الحارة نفسها ملعبنا، وأزقتها ساحاتنا، وأبناء الجيران رفاق لعبنا، وكيف كانت طفولتنا مليئة بالحركة والنشاط رغم بساطة الحياة وقلة وسائل الترفيه في ذلك الزمن.
هواية جمع الطوابع
ومن الهوايات التي رافقتني في تلك المرحلة من طفولتي وبدايات مراهقتي هواية جمع الطوابع البريدية، وكانت من الهوايات التي استحوذت على اهتمامي وأثارت فضولي، إذ كنت أجد متعة كبيرة في البحث عن الطوابع المختلفة والتعرف عليها وجمعها.
وكانت طريقتي في الحصول عليها بسيطة، فكنت أذهب إلى شارع الوزير وشارع البطحاء، حيث كانت تكثر الشركات والبنوك والمكاتب التجارية في ذلك الوقت. وكانت المراسلات البريدية بين هذه الجهات كثيرة، وأحيانًا أجد بعض الظروف والرسائل التي تم التخلص منها ملقاة في قارعة الطريق، فألتقطها وأحملها معي، ثم أنزع عنها الطوابع بعناية واحتفظ بها ضمن مجموعتي.
وكان ما يزيد شغفي بهذه الهواية أن الطوابع لم تكن من بلد واحد، بل كانت تأتيني من مختلف أنحاء العالم؛ فمنها الطوابع السعودية والخليجية والعربية، ومنها الطوابع الأوروبية والأمريكية والآسيوية، وغيرها من دول العالم.
ومع مرور الوقت أخذت مجموعتي تكبر شيئًا فشيئًا، حتى أصبحت لدي عدة ألبومات تضم مئات الطوابع المتنوعة، وكنت أعتز بها واحرص على ترتيبها والاحتفاظ بها.
ولم تكن هواية جمع الطوابع بالنسبة لي مجرد جمع قطع صغيرة من الورق، بل كانت نافذة أطل منها على العالم وأنا طفل؛ فكل طابع كان يحمل اسم دولة أو صورة شخصية أو معلمًا أو مناسبة، وكنت أتأمل هذه الصور والأسماء وأتساءل عن البلدان التي جاءت منها، وكأنني أسافر إليها بخيالي وأنا في منزلي بحلة القصمان.
وحين أتذكر اليوم تلك الألبومات، أجد أنها لم تكن مجرد مقتنيات طفولية، وإنما كانت جزءًا من تكوين شخصيتي في تلك المرحلة؛ فقد علمتني الصبر، والدقة، والاهتمام بالتفاصيل، وحب البحث والاحتفاظ بالذكريات، وهي قيم ظلت ترافقني في مراحل لاحقة من حياتي.
مذكراتي اليومية.. ذاكرة بدأت مبكرًا
ومن الهوايات التي أعتز بها كثيرًا، أنني بدأت في سن مبكرة كتابة مذكراتي اليومية؛ فقد كنت أدوّن يومياتي منذ أن كان عمري نحو ثلاثة عشر عامًا، واستمرت هذه العادة معي حتى المرحلة الجامعية.
كنت أحرص على تسجيل كثير من الأشياء التي تمر بي خلال يومي، ولا سيما ما أراه مهمًا أو يستحق أن يبقى في الذاكرة. ولم تكن مذكراتي تقتصر على أحداثي الشخصية، بل كنت أسجل فيها جوانب مختلفة من الحياة من حولي؛ فأدوّن بعض الظواهر والأحوال المناخية، والأيام الوطنية والمناسبات، والأحداث التاريخية والوقائع السياسية التي كانت تقع في ذلك الوقت، إلى جانب ما يتعلق بالأسرة من مناسبات وأحداث وتفاصيل يومية.
ومع مرور السنوات، أصبحت هذه المذكرات سجلًا شخصيًا يوثق مرحلة مهمة من حياتي، ويحتفظ بتفاصيل ربما كان من الصعب أن أتذكرها لو لم أقم بتدوينها في حينها.
واليوم، حين أعود إلى تلك المذكرات القديمة، أشعر بقيمة هذه الهواية التي لازمتني منذ الصغر؛ فأنا لا أقرأ فيها ما كتبته عن نفسي فحسب، وإنما أجد بين صفحاتها صورة لزمن كامل: أحوال الناس، وتغيرات الحياة، والمناسبات، والأحداث التي عشناها، وما كان يشغلنا في تلك السنوات.
ولعل أجمل ما في هذه الهواية أنني كنت أكتب الأحداث وهي حاضرة في ذهني، قبل أن تتراكم عليها السنوات وتغطيها الذاكرة بالنسيان؛ ولذلك أصبحت تلك المذكرات اليوم شاهدًا شخصيًا على مراحل من حياتي، ومصدرًا مهمًا لاستعادة كثير من التفاصيل التي عشتها في طفولتي وشبابي.
ومن هنا أدركت أن الكتابة لا تحفظ الحاضر لنا فحسب، بل تحوّل الأيام العابرة إلى ذاكرة باقية، يمكن للإنسان أن يعود إليها بعد سنوات طويلة، فيجد نفسه وكأنه يستعيد شيئًا من عمره الذي مضى.
رحلاتنا إلى مطار الرياض
ومن الذكريات التي لا أنساها من تلك المرحلة أننا كنا نذهب مشياً على الأقدام من منزلنا في حلة القصمان إلى مطار الرياض، رغم أن المسافة كانت تقارب ثمانية كيلومترات.
ولم يكن الذهاب إلى المطار لغاية السفر، وإنما كان في حد ذاته رحلة ومغامرة بالنسبة لنا ونحن صغار. فكنا نقطع الطريق مشيًا، وكان هدفنا أن نشاهد الطائرات وهي تقلع وتهبط، ونتأمل حركتها وأصواتها، ونراقب المسافرين وهم يدخلون إلى المطار أو يغادرونه.
كما كنا نستمتع بمشاهدة الركاب القادمين والمغادرين، وننظر إلى ما كان يقدم لهم من خدمات وطعام وشراب، وكل تلك التفاصيل كانت تثير فضولنا وتزيد متعتنا بالزيارة.
وكان المطار بالنسبة لنا آنذاك مكانًا مختلفًا عن عالم الحي الذي نعيش فيه؛ ففيه طائرات تأتي من أماكن بعيدة، وركاب يحملون حقائبهم، وأشخاص يودعون مسافرين أو يستقبلون قادمين. وكنا نقف متأملين هذا المشهد، نتخيل البلدان التي جاءت منها الطائرات، وإلى أين سيذهب أولئك المسافرون.
واليوم، حين أتذكر أننا كنا نقطع نحو ثمانية كيلومترات ذهابًا إلى المطار مشيًا لمجرد مشاهدة الطائرات والركاب، أدرك مدى بساطة الحياة في ذلك الزمن، وكيف كنا نصنع لأنفسنا متعة ومغامرة من أشياء تبدو اليوم عادية، لكنها كانت بالنسبة لنا عالمًا واسعًا مليئًا بالإثارة والخيال.
كانت تلك الرحلات إلى المطار جزءًا من مغامرات طفولتنا، و ذكرى من ذكريات الرياض القديمة التي ما زالت حاضرة في الذاكرة بكل تفاصيلها.
وكان لكل انتقالٍ أثره في الذاكرة؛ فالأحياء القديمة لم تكن مجرد أماكن للسكن، بل كانت مدارس اجتماعية يتعلم فيها الطفل معنى الجيرة، والاحترام، والتعاون، والاعتماد على النفس. كانت الحياة أقل تعقيدًا، وأكثر قربًا من الناس، وكانت فرحة الطفل تصنعها أشياء بسيطة، لكنها تبقى في الذاكرة أعوامًا طويلة.
الانتقال إلى حي الملز.. بيت الأسرة والتعليم
وفي عام 1394هـ انتقلنا من حلة القصمان إلى حي الملز، وكانت هذه النقلة بداية مرحلة جديدة ومهمة في حياتنا الأسرية والتعليمية. فكان هذا الحي محطة أخرى من محطات الطفولة والشباب، ومرحلةً جديدة ارتبطت في الذاكرة بالمدرسة والأصدقاء والجيران ومشاهد الحياة اليومية.
وكان والدي رحمه الله قد اشترى أرضًا واسعة في حي الملز، شمال محطة سكة الحديد وأقام عليها فيلا كبيرة تتسع لنا وتزيد، وقد حرص رحمه الله على أن يكون لكل واحد منا من الإخوان والأخوات غرفة خاصة به، مما جعل المنزل واسعًا ومريحًا، وأصبح مع مرور الوقت مركزًا لحياتنا الأسرية وذكرياتنا الجميلة.
كما أنشأ والدي في المنزل حديقة خاصة، وزرع فيها نحو عشر نخلات متنوعة، إلى جانب مجموعة من أشجار الفاكهة، فكان للمنزل حديقة تضفي عليه جمالًا وحياة، وأصبحت جزءًا من ذاكرتنا في تلك المرحلة.
وفي ذلك الوقت كنت قد أنهيت المرحلة الابتدائية، وتقدمت للالتحاق بالمرحلة المتوسطة في مدرسة العباس القريبة من منزلنا. إلا أن الله سبحانه وتعالى كتب لي ولأخي صالح مسارًا تعليميًا مختلفًا.
فقد التقى والدي رحمه الله، ذات يوم، بمعالي الشيخ عبدالعزيز المسند رحمه الله، وكان صديقًا له، وكنت أنا وأخي صالح برفقة والدنا في ذلك اللقاء. فسأل الشيخ والدي عن المرحلة التي وصلنا إليها في التعليم، فأخبره بأننا أنهينا المرحلة الابتدائية وأنه قام بتسجيلنا في المرحلة المتوسطة.
فأشار الشيخ عبدالعزيز المسند رحمه الله على والدي أن يسجلنا في المعهد العلمي بالرياض، التابع آنذاك لرئاسة الكليات والمعاهد العلمية، وأخذ يقنع والدي بوجهة نظره، ويبين له ما للمعهد العلمي من أهمية في تكوين الطالب وتعليمه.
فاقتنع والدي رحمه الله برأيه، وقام بتسجيل أخي صالح وأنا في معهد الرياض العلمي، وكانت تلك المشورة سببًا في تغيير مسارنا التعليمي؛ فأكملنا المرحلة المتوسطة ثم المرحلة الثانوية في المعهد، وتخرجنا منه، ثم واصلنا طريقنا التعليمي بالالتحاق بـ جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
جدي علي وآخر أيامه في منزل الملز
ومن الذكريات المهمة التي لا يمكن أن أتجاوزها عند الحديث عن منزلنا في حي الملز، أن جدّي العقيلي علي الجارالله العجلان رحمه الله كان يقيم معنا في هذا المنزل. وكان في ذلك الوقت قد تجاوز الخمسة والسبعين من عمره، وقد أمضى معنا فيه جانبًا من آخر أيام حياته.
وفي هذا المنزل توفي جدي رحمه الله، وذلك في يوم الثلاثاء 27/12/1395هـ، وكان لوفاته أثر عميق في نفوسنا، فقد كان كبير الأسرة، وله مكانته في قلوبنا.
وبعد وفاته رحمه الله، تولى ابن أخته الشيخ محمد بن عبدالله الصلال أمر تغسيله وتكفينه ، ثم تمت الصُلّاة عليه في مسجد الشيخ أحمد المنصور بحي المرقب في البطحاء، وبعد ذلك وُوري الثرى في مقبرة العود، التي كانت في ذلك الوقت من مقابر مدينة الرياض المعروفة.
وبقيت وفاة جدي رحمه الله من الأحداث التي ارتبطت في ذاكرتي بهذا المنزل؛ فقد كان البيت الذي شهد إقامته بيننا، ثم شهد آخر أيامه ووفاته، ليبقى جزءًا من تاريخ الأسرة وذكرياتها.
رحم الله جدي عليًا، ورحم والدي، وجميع موتى المسلمين، وجزاهم الله عنا خير الجزاء، فقد تركوا لنا من الذكريات والمواقف ما يجعل حضورهم باقيًا في نفوسنا، وإن غابوا عن أعيننا.
وكان منزلنا في حي الملز شاهدًا كذلك على كثير من المناسبات السعيدة في الأسرة؛ ففيه تزوجت بقية اخواتي ، كما شهد المنزل زواج أخي جار الله رحمه الله.
ولهذا ارتبط المنزل في ذاكرتي بالفرح والبهجة، فقد كان بيتًا تجتمع فيه الأسرة، وتقام فيه مناسبات الزواج، وتتعالى فيه أصوات الفرح، وتلتقي فيه الأقارب والأهل والأصدقاء. ولم يكن مجرد منزل نسكن فيه، بل كان بيتًا يحمل جانبًا كبيرًا من تاريخ أسرتنا وذكرياتها.
أول سيارة.. فرحة لا تُنسى
وأذكر أنه عندما أنهيت المرحلة المتوسطة، اشترى لي والدي رحمه الله سيارة،200L وكانت تلك من الذكريات التي لا تزال عالقة في نفسي.
وبعد أن حصلت على التصريح النظامي لقيادة السيارة، أصبحت أستطيع قيادتها، وكانت فرحتي بها كبيرة جدًا؛ فقد شعرت وأنا في تلك السن بأنني انتقلت إلى مرحلة جديدة من حياتي، وأصبح لدي قدر أكبر من الحرية والاعتماد على النفس.
ولا أزال أذكر فرحتي بذلك اليوم وكأنها بالأمس؛ فقد كنت فرحًا ومسرورًا بها جدًا ، وكانت السيارة بالنسبة لي أكثر من مجرد وسيلة للانتقال، فقد كانت تمثل شيئًا جديدًا في حياتي، وذكرى جميلة ارتبطت بمرحلة الشباب وبكرم والدي رحمه الله وحرصه على إسعاد أبنائه.
وكلما تذكرت تلك السيارة، تذكرت معها تلك الفرحة البريئة التي لا تعوضها اليوم أغلى السيارات؛ فالإنسان قد ينسى تفاصيل كثيرة من حياته، لكنه لا ينسى فرحة الأشياء الأولى.
ولم تتوقف علاقتي بهذا المنزل عند مرحلة الطفولة والشباب، بل امتدت إلى مراحل لاحقة من حياتي؛ فبعد تخرجي من الجامعة التحقت بـ معهد الإدارة العامة، ودرست فيه في برنامج الأنظمة، وحصلت على درجة الماجستير وظيفيًا، ضمن الدورة الرابعة عشرة.
وهكذا ظل هذا المنزل حاضرًا في مراحل متعددة من حياتي؛ عشت فيه سنوات الدراسة، وشهد أفراح إخوتي وأخواتي، واحتضن مرحلة من تكويني العلمي والمهني، ولذلك فإن ذكراه بالنسبة لي ليست مجرد ذكرى مكان، وإنما ذكرى مرحلة كاملة من العمر، ارتبطت فيها الأسرة والتعليم والعمل والفرح في منزل واحد.
بداية الحياة العملية والانتقال إلى حي الربوة
وأذكر من ذكرياتي في هذه الفيلا التي سكناها في حي الملز أنها شهدت أيضًا بداية حياتي العملية بعد تخرجي من معهد الإدارة العامة في الدراسات القانونية.
فبعد تخرجي التحقت مباشرة بـ هيئة الرقابة والتحقيق، وتم قبولي فيها فورًا للعمل بوظيفة ممثل ادعاء في إدارة الادعاء بالهيئة، على المرتبة الثامنة وكانت مباشرتي للعمل بتاريخ 25/12/1406هـ.
وكانت تلك بداية مرحلة جديدة في حياتي، انتقلت فيها من مقاعد الدراسة والتأهيل العلمي إلى الحياة العملية، وبدأت ممارسة العمل في مجال الأنظمة والتحقيق والادعاء، وهو المجال الذي واصلت فيه مسيرتي المهنية بعد ذلك.
ولم أمضِ في هذا المنزل طويلًا بعد بداية عملي؛ فبعد نحو شهر واحد من مباشرَتي للعمل وكان ذلك في يوم الجمعة 27/1/1407 ، انتقلنا إلى مجموعة من الفلل التي كان والدي رحمه الله قد أقامها في حي الربوة.
وكانت أرض تلك الفلل واسعة، تبلغ مساحتها نحو ستة آلاف متر مربع، وقد خصص والدي رحمه الله الجزء الأكبر منها لفلته التي كان يسكنها، بينما أقام في بقية المساحة فللًا لأبنائه، حرصًا منه على أن تكون الأسرة متقاربة في السكن، وأن يكون لكل واحد منا مسكنه الخاص.
وكان ذلك من صور عناية والدي رحمه الله بأبنائه وحرصه على مستقبلهم واستقرارهم، فقد كان يفكر فينا ويخطط لنا، ويعمل على توفير أسباب الراحة والاستقرار لنا حتى بعد أن كبرنا وأصبح لكل منا حياته ومسؤولياته.
رحم الله والدي رحمة واسعة، فقد ترك لنا، إرثًا أعظم من ذلك كله؛ إرثًا من المحبة والرعاية وحسن التربية والحرص على جمع الأسرة وتقاربها، وما زالت آثار ما بذله من أجلنا حاضرة في حياتنا وذكرياتنا إلى اليوم.
وحين نستعيد اليوم تلك الأحياء، ندرك أن قيمة المكان ليست في مبانيه وشوارعه فحسب، وإنما في الذكريات التي تركها أهل المكان في نفوسنا. فالأحياء القديمة كانت تحمل شيئًا من الأصالة التي يصعب أن تتكرر؛ بساطة في المعيشة، ودفء في العلاقات، وقربًا بين الناس، وشعورًا بأن الحي بيتٌ كبير يسكنه الجميع.
ولعل أجمل ما في ذكريات الطفولة أنها لا تعود إلينا كما كانت، وإنما تعود في صورة مشاهد متفرقة: وجه جارٍ قديم، أو صوت معلم، أو طريقٍ كنا نسلكه كل صباح، أو بيتٍ كان لنا فيه ذكرى، أو صديقٍ رافقنا في سنوات العمر الأولى.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة حي الربوة بالرياض، لتفتح فصلًا جديدًا من الحياة، وتنتقل بنا الذاكرة من طفولة الأحياء القديمة إلى مراحل أخرى من العمر.
ومع مرور السنين، أدركت أن الإنسان قد يغادر المكان، لكنه لا يستطيع أن يغادر ذاكرته؛ فالأحياء التي عشنا فيها تظل تسكن فينا، لأنها احتفظت بأيامٍ لن تعود، وبوجوهٍ ربما غاب أصحابها، وبأصواتٍ ما زالت أصداؤها حاضرة في الوجدان.
وهكذا تبقى الخالدية ببريدة، وحلة القصمان، وحي الملز، ثم حي الربوة بالرياض، محطاتٍ في مسيرة العمر؛ لكل واحدٍ منها حكاية، ولكل حيٍ منها ذاكرة، ولكل مرحلةٍ منها أثر لا يمحوه الزمن.
«قد تتغير الأحياء، وتتسع المدن، وتتبدل معالم الأماكن، لكن ذاكرة الطفولة لا تهدمها السنين؛ فهي البيت الأول الذي يبقى في داخل الإنسان مهما ابتعدت به الحياة.»
جاري تحميل التعليقات...