والدي محمد بن علي الجارالله العجلان آل أبو عليان الذي ما زال يسكن الذاكرة

كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

رحمك الله يا أبي فقد مضت سنوات على رحيلك، وما زلنا نشعر أن غيابك لم يكن غياب رجل من البيت فحسب، بل كان غياب صوتٍ اعتدنا أن نسمعه، ووجهٍ ألفناه، وقلبٍ كان يمنحنا من حنانه وطمأنينته ما لا ندرك قيمته إلا بعد الفقد. نشتاق إليك يا أبي. نشتاق إلى حديثك، إلى كلماتك التي كانت تحمل خلاصة تجربة عمر طويل، وإلى آرائك التي كنت تقولها بهدوء الرجل الذي عرف الحياة، وعرف الناس، ومرّ بأيامها الصعبة وأيامها الجميلة.

نشتاق إلى مجلسك، وإلى تلك الأحاديث التي كانت تتنقل بين الدين والتاريخ، وبين أخبار الرجال وتجارب الحياة، وبين بريدة التي أحببتها وعشت لها، والأسرة التي حملت همّها في قلبك.

كنتَ يا أبي أكثر من أبٍ لأبنائه؛ كنت مدرسةً نتعلم منها من غير أن نشعر.

تعلمنا منك أن الإنسان يُعرف بمواقفه، وأن العلم لا قيمة له ما لم يصحبه عمل، وأن المكانة الحقيقية ليست في المنصب ولا في المال، وإنما فيما يتركه الإنسان من أثر طيب في نفوس الناس.

وعندما نتأمل سيرتك اليوم، ندرك كم كانت حياتك حافلة بالعطاء.

عندما ولدت في مدينة بريدة سنة 1350هـ، ونشأت في بيئة علم ودين، وتعلمت على أيدي علماء أجلاء، حملت العلم معك إلى ميادين العمل والإدارة والثقافة والمجتمع.

وعندما عملت في وزارة الصحة، وتدرجت في مسؤولياتها، أسهمت في خدمة مدينتك ووطنك، وكنت ممن عاصروا مراحل التحول الكبرى في وطنك المملكة العربية السعودية ، مؤمنًا بالتعليم والتنمية، وحريصًا على أن تنال بريدة نصيبها من الخدمات والمشروعات.

وكنت من أوائل من شجعوا تعليم البنات في زمن كان هذا الأمر يحتاج إلى شجاعة في الرأي وبعد نظر، فلم تكتفِ بالكلام، بل كنت قدوةً في بيتك، حين ألحقت بناتك بالتعليم، ووقفت مؤيدًا لحقهن في طلب العلم.

كان الكتاب رفيقك.أحببت العلم والقراءة، واقتنيت الكتب الإسلامية والتاريخية والأدبية، وكنت واسع الاطلاع، قوي العبارة، حاضر الذهن، محبًا للنقاش والحوار.

أما بريدة، فكان لها في قلبك مكان آخر.

لم تكن بالنسبة إليك مجرد مدينة ولدت فيها، بل كانت ذاكرةً وهويةً وتاريخًا وأناسًا أحببتهم، ولذلك حملت همّها، وسعيت في خدمة أهلها، وكنت تعرف الكثير من تاريخها ورجالاتها وأسرها.

ولعل من أجمل ما تركته لنا أنك لم تحفظ تاريخ الأسرة في ذاكرتك فقط، بل نقلت إلينا شيئًا من ذلك التاريخ، وأبقيت لنا صلةً بجذورنا وأجدادنا، وبمسيرة آل أبو عليان وأسرة الجارالله العجلان.

يا أبي. كلما قرأنا شيئًا من سيرتك، شعرنا أننا لا نقرأ تاريخ رجل مضى، بل نستعيد شيئًا منك.نستعيد صوتك.نستعيد مجلسك.نستعيد نظرتك.نستعيد نصيحتك.

ونستعيد ذلك الحنان الأبوي الذي لم نكن نشعر بعظمته ونحن نعيش في ظلاله.لقد كنت حليمًا، كريمًا، واسع الصدر، متأنيًا في قراراتك، لا تستعجل أمرًا حتى تتبينه، ولا تبخل على محتاج بجاه أو مال أو نصيحة.

وكنت تعرف الرجال، وتقرأ طباعهم، وتزن الأمور بميزان التجربة.

وعندما رحلت في فجر يوم الأربعاء الرابع من صفر سنة 1436هـ، الموافق السادس والعشرين من نوفمبر 2014م، شعرت الأسرة أن صفحةً من تاريخها قد أُغلقت، وأن رجلًا من جيلٍ كان يحمل ذاكرة وطن ومدينة وأسرة قد غادر الدنيا. لكننا اليوم ندرك أن الإنسان لا يرحل كله.

يبقى منه دعاؤه، وأثره، وكلماته، وأخلاقه، وما غرسه في أبنائه.

وأنت يا أبي، تركت فينا الكثير. تركت لنا اسمًا نعتز به، وسيرةً نفخر بها، وذكريات لا تنتهي، وقيمًا نحاول أن نحملها من بعدك.

ومهما كتبنا عنك فلن نستطيع أن تصف شعورنا تجاهك كما ينبغي؛ فهناك مشاعر لا تستطيع الكلمات أن تبلغ أعماقها.

كل ما نستطيع قوله: أننا اشتقنا إليك يا أبي.

اشتقنا إلى صوتك حين تنادينا، وإلى حديثك حين تجلس معنا، وإلى حنانك الذي كان يملأ البيت دون أن نشعر.

اشتقنا حتى إلى الأشياء الصغيرة التي لم نكن نظن يومًا أننا سنفتقدها.

رحمك الله يا أبا جارالله، رحمةً واسعةً لا تنقطع.

اللهم اغفر لأبينا وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضةً من رياض الجنة.

اللهم اجزه عن أبنائه وأسرته وأهله ومحبيه خير الجزاء، واجعل ما قدمه من علم وعمل وخدمة للناس في ميزان حسناته.

اللهم اجمعنا به في دارٍ لا فراق فيها، ولا مرض، ولا موت.

وإن كان لنا من أمنية بعد رحيلك، فهي أن نظل أوفيًاء لما علمتننا إياه، وأن نحفظ ذكراك، وأن ننقل سيرتك إلى الأبناء والأحفاد، حتى يبقى اسمك حاضرًا في الأسرة، لا باعتباره اسمًا من الماضي، وإنما باعتباره سيرة رجلٍ عاش كريمًا، ومضى كريمًا، وترك وراءه أثرًا طيبًا لا يغيب.

رحمك الله يا أبي..

فقد غبت عن أعيننا، لكنك لم تغب عن قلوبنا. 

دمتم بخير