كيف تغيرت حياة الأسرة مع انتشار التعليم؟
من الكتاتيب إلى المدارس النظامية والجامعات والتخصصات المختلفة.
الصورة المرفقة تعبيرية
كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان.
لكل جيلٍ مدرسةٌ شكّلت بداياته، ولكل مرحلة من مراحل التاريخ وسائلها في طلب العلم. وعندما نستعيد تاريخ التعليم في بريدة، فإننا لا نستعيد تاريخ المؤسسات التعليمية وحدها، بل نستعيد صورة المجتمع الذي عاش فيه آباؤنا وأجدادنا، وكيف انتقل أبناؤه من الكتاتيب وحلق العلم في المساجد إلى المدارس النظامية بمراحلها المختلفة.
وكان هذا التحول واحدًا من أبرز التحولات التي شهدها المجتمع السعودي في القرن الرابع عشر الهجري؛ إذ لم تعد المعرفة حكرًا على الكتاتيب والمجالس العلمية، بل أخذ التعليم النظامي يتوسع، وأصبح طريقًا مفتوحًا أمام أبناء المجتمع للانتقال إلى مراحل تعليمية أعلى، ثم إلى الوظائف والإدارة ومجالات العمل المختلفة.
الكتاتيب: المدرسة الأولى في بريدة
قبل ظهور المدارس النظامية في مدينة بريدة كان (الكتاب) هو المدرسة الأولى لأبنائها وفيه يتلقى الصبيان مبادئ التعليم على يد الشيخ أو المطوّع، فيتعلمون القرآن الكريم، والقراءة والكتابة، والحساب، ومبادئ العلوم الدينية.
وكانت الكتاتيب في الوقت نفسه جزءًا من الحياة الاجتماعية؛ فالشيخ الذي يتولى التعليم كان معروفًا في الحي، (وكتابه) يجمع أبناء الأسر المختلفة، ويتعلم فيه الصبي إلى جانب زملائه، وتتكون في هذه البيئة الأولى علاقات وصداقات تستمر أحيانًا طوال الحياة.
كما كانت المساجد وحلق العلم امتدادًا طبيعيًا لهذا التعليم؛ فبعد أن يتجاوز الصبي مرحلته الأولى في حفظ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، ينتقل بعضهم إلى حلق العلماء وطلب العلم على أيدي المشايخ، فيتدرج في دراسة العلوم الشرعية ويتوسع في معارفه.
وكان في مقدمة هذه المساجد (جامع آل أبو عليان)، أو جامع بريدة الكبير، او جامع خادم الحرمين الشريفين الملك فهد الذي لم يكن موضعًا لأداء الصلوات فحسب، بل كان منارةً للعلم وملتقى للعلماء وطلاب المعرفة، تُعقد فيه حلقات الدرس، ويجتمع فيه طلبة العلم، ويتلقى فيه أهل بريدة علوم القرآن والحديث والفقه والفرائض واللغة وغيرها من العلوم.
ولهذا يمكن النظر إلى جامع بريدة الكبير في ذلك الزمن بوصفه جامعةً بالمعنى الذي نفهمه اليوم؛ إذ كان يؤدي دورًا علميًا وتعليميًا واجتماعيًا متكاملاً، ويجتمع في رحابه العلماء وطلاب العلم، وتنتقل من خلاله المعرفة من جيل إلى جيل، فكان أحد أهم روافد العلم والتكوين الفكري في بريدة.
وكان للكتاتيب في بريدة حضور بارز، وتعددت بحسب الأحياء وحاجة الناس إليها. وتذكر المصادر الشفوية والمصادر الحكومية عددًا من كتاتيب البنين والبنات التي كانت قائمة قبل التعليم النظامي، فقد كان التعليم قبل المدارس النظامية يعتمد أساسًا على الكتاتيب وحلق العلم في المساجد، وكان «المطوّع» هو المعلم، وغالبًا ما يعاونه كبار الطلبة في تعليم الصغار. وتصف رواية الشيخ عبدالله بن إبراهيم السليم، التي نشرتها (دارة الملك عبدالعزيز) حديثًا، عن طريق وكالة الانباء السعودية بتاريخ 27 أغسطس 2026 الكتاتيب بأنها الشكل الرئيس للتعليم في تلك المرحلة، مع تفاوت عددها بحسب حجم المدينة.
وفي بريدة تحديدا أوضح المدير العام للتعليم بالقصيم د عبدالله الركيان لصحيفة مكة في عددها الصادر يوم4 مارس 2016 وهو أيضا ما ورد بكتاب عبق الماضي أصالة الحاضر للأستاذ عبدالله بن سليمان العمران ص 114 عن وجود 15 كُتّابًا قبل التعليم النظامي: 9 للبنين و6 للبنات، ومن أسماء كتاتيب البنين: عبدالله المعارك، ومحمد الوهيبي، وسليمان الرزقان، ومحمد بن عبدالله الهويمل، ومن كتاتيب البنات: هيلة السيف، وأم الهزاع، وبنت سطام، وأم الدخيل، وأم الفوزان، وأم الغضية ، وأضيف عليهن كتاب أم الضحيان وأم العواد وأم الرشودي وأم الوهيبي.
كما عُرف عدد من المعلمين الذين كانت لهم مكانة علمية واجتماعية في المجتمع. ومن أبرزهم الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سليم، الذي كان كتابه من الكتاتيب المعروفة في بريدة.
ولم يكن كتاب الشيخ عبدالله مجرد مكان لتلقين الصبيان القراءة والقرآن، بل كان مرحلة تعليمية لها أثرها في تكوين جيل من أبناء بريدة الذين انتقل بعضهم بعد ذلك إلى التعليم النظامي.
وكان من أبناء الاسرة المتقدمين الذين درسوا في الكتاتيب في أواخر القرن الثالث عشر وأوائل القرن الرابع عشر الهجري -الموافق أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين الميلادي- الذين عرفتهم وتتبعت سيرهم هم الجد إبراهيم بن عجلان آل أبو عليان والجد جارالله آل أبو عليان وابناؤه إبراهيم وسليمان وعلي وعبدالله وحسن الجارالله العجلان آل أبو عليان رحمهم الله ثم ابناؤهم من بعدهم.
من الكتاب إلى المدرسة
ومع قيام الدولة السعودية الحديثة واتساع مؤسساتها، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ التعليم، تمثلت في إنشاء المدارس النظامية التي تقوم على منهج دراسي منظم، وصفوف محددة، ومعلمين، وسنوات دراسية متتابعة.
وكان افتتاح مدرسة الفيصلية في بريدة سنة 1356هـ/1937م محطة مهمة في تاريخ التعليم في بريدة، باعتبارها أول مدرسة نظامية فيها، ثم تبعتها مدارس أخرى، واتسع نطاق التعليم شيئًا فشيئًا.
كان افتتاح تلك المدرسة بداية مرحلة جديدة في حياة أبناء بريدة؛ فبعد أن كان التعليم يعتمد بصورة أساسية على الكتاتيب وحلق العلم، أصبح الطالب أمام نظام تعليمي جديد، له فصول ومناهج ووقت دراسي محدد ومعلمون متفرغون.
وكانت المدرسة أكثر من مجرد مكان لتلقي الدروس؛ فقد فتحت أمام أبناء المجتمع آفاقًا جديدة، وأصبح التعليم طريقًا إلى مراحل أعلى، ثم إلى الوظائف الحكومية والمجالات الإدارية والتعليمية وغيرها.
ولا يفوتنا أن نذكر الدور البارز الذي اضطلع به مديرو المدرسة في مسيرتها، وكان لحسن إدارة مديرها المربي الشيخ عبدالله بن إبراهيم السليم رحمه الله أن تبوأت المدرسة لان تكون احد معاقل ، العلم ، والتعليم في منطقة القصيم .
ومن بينهم أيضًا المربي الشيخ عبدالله بن إبراهيم الحسون آل أبو عليان، رحمه الله الذي أسهم بعلمه وخبرته التربوية وجهوده المخلصة في تطوير المدرسة والنهوض بمسيرتها، وكان واحدًا من رجال المرحلة الذين أسهموا في ترسيخ التعليم النظامي في بريدة. والنهوض برسالتها التعليمية، وله إسهام مشهود في ترسيخ التعليم النظامي فيها، وتعزيز مكانة المدرسة بوصفها منارة للعلم والتربية، وميدانًا لإعداد أجيال أسهمت في بناء المجتمع وخدمة الوطن.
ومع مرور السنوات، ظهرت مدارس جديدة في بريدة، ومن بينها المدرسة المنصورية التي افتتحت سنة 1368هـ، وكان من صور التحول اللافتة أن بعض الطلاب انتقلوا إليها من الكتاتيب، بل انتقل بعض المعلمين أنفسهم إلى التعليم النظامي.
ولم يكن الانتقال من الكتاب إلى المدرسة انتقالًا مفاجئًا يقطع الصلة بالماضي؛ بل شهدت تلك المرحلة صورًا من الاستمرار والانتقال الطبيعي، فانتقل بعض المعلمين والطلاب من الكتاتيب إلى المدارس، وأصبح ما تعلمه الطالب في الكتاب قاعدةً ينطلق منها في التعليم النظامي.
ومن أجمل ما يجعل هذه المرحلة حاضرة في ذاكرة أسرتنا أن والدي محمد بن علي الجارالله العجلان، رحمه الله، والعم الشيخ عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان رحمه الله ، كانا من أبناء هذا الجيل الذي عاش المرحلتين.
فقد بدأ والدي تعليمه في كتاب الشيخ عبدالله بن إبراهيم بن سليم، فتعلم فيه القرآن الكريم ومبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى مدرسة الفيصلية، ليبدأ مرحلة جديدة من التعليم النظامي.
وهكذا جمع والدي رحمه الله في مسيرته التعليمية بين روح الكتاب التقليدي، ونظام المدرسة الحديثة، وكان انتقاله هذا شاهدًا على التحول الذي كانت بريدة والمملكة تمر به في تلك الفترة.
كما أن عمي معالي الشيخ عبدالرحمن بن سليمان الجارالله العجلان، رحمه الله، نموذجًا بارزًا لهذه الرحلة التعليمية التي بدأت بالكتّاب وانتهت بتولي القضاء.
فقد بدأ الشيخ عبدالرحمن تعليمه الأول في الكتاتيب، فقرأ القرآن الكريم وحفظه عن ظهر قلب، ثم واصل طلب العلم بهمة عالية ومثابرة، ولازم علماء بريدة وقضاتها، فتلقى على أيديهم مبادئ العلوم الشرعية، ومن أبرز مشايخه: الشيخ محمد الصالح المطوع رحمه الله في مسجده وجود عليه القرآن وقرأ عليه مبادئ العلوم الشرعية كما لازم الشيخ فهد العبيد والشيخ إبراهيم العبيد العبد المحسن والشيخ عبد المحسن العبيد والشيخ صالح البراهيم الرسيني والشيخ محمد بن صالح بن سليم رحمهم الله فقرأ عليهم الأصول والفروع والحديث والتفسير والفرائض، ولما تعيَّن سماحة الشيخ عبد الله بن محمد بن حميد قاضيًا في بريدة رحمه الله لازمه في جميع جلساته، ثم توسع في دراسة الأصول والفروع والحديث والتفسير والفرائض وغيرها من علوم الشريعة.
وفي هذه المرحلة انتقل من دائرة التعليم التقليدي إلى التعليم النظامي، فالتحق بالمعهد العلمي في بريدة، وأكمل دراسته فيه، ثم رحل إلى الرياض لمواصلة تحصيله العلمي، فالتحق بكلية الشريعة بالرياض، وحصل على شهادتها عام 1381هـ.
وهكذا نرى في مسيرته التعليمية صورة واضحة للتحول الذي شهده التعليم في المملكة؛ من الكتاتيب حيث بدأ بحفظ كتاب الله، إلى المعهد العلمي، ثم إلى كلية الشريعة، وهي رحلة لم تكن انتقالًا بين أماكن الدراسة فحسب، وإنما كانت تدرجًا في العلم والمعرفة والمسؤولية.
وما إن تخرج رحمه الله حتى عُيّن في سلك القضاء عام 1382هـ، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في حياته، انتقل فيها من طالب علم إلى رجل يتولى مسؤولية القضاء والفصل بين الناس، ثم تدرج في هذا السلك، فعمل قاضيًا في رياض الخبراء والبكيرية وبريدة، حتى عُيّن عضوًا في محكمة الاستئناف بمكة المكرمة.
وتكشف هذه المسيرة عن الأثر العميق الذي أحدثه انتشار التعليم في حياة أبناء الأسرة؛ فالكتّاب كان البداية، لكنه لم يكن النهاية، وإنما فتح الباب أمام مواصلة طلب العلم، ثم جاء التعليم النظامي ليتيح الانتقال إلى مراحل أعلى، حتى وصل بعض أبناء الأسرة إلى القضاء والتعليم والمواقع العلمية والإدارية المختلفة.
ومن هنا تصبح سير أبناء الاسرة جزءًا من قصة أكبر؛ قصة جيل بدأ من الكتّاب، ثم أدرك بدايات التعليم النظامي، واستثمر الفرصة الجديدة في مواصلة العلم، حتى أسهم في بناء مؤسسات الدولة الحديثة وخدمة المجتمع من مواقع متعددة.
وهذا يؤكد أن التعليم النظامي لم يُلغِ عالم الكتاتيب في لحظة واحدة، وإنما حلّ تدريجيًا محله، واستفاد من معلميه وطلابه وخبراتهم المتراكمة.
من المرحلة الابتدائية إلى التعليم الأعلى
ومع اتساع حركة التعليم، لم يعد الهدف مقتصرًا على تعليم الصبيان القراءة والقرآن والحساب؛ بل أصبح الطالب أمام مسار تعليمي متدرج ينتقل فيه من المرحلة الابتدائية إلى المتوسطة ثم الثانوية، ثم يواصل دراسته في التعليم العالي.
وكان إنشاء وزارة المعارف سنة 1373هـ إيذانًا بمرحلة أكثر تنظيمًا واتساعًا في إدارة التعليم العام، وأخذت المدارس تنتشر في أنحاء المملكة، وتزداد أعداد الطلاب، ويتسع نطاق المناهج والتخصصات.
وبمرور الوقت أصبح التعليم أحد أهم الأبواب التي غيرت حياة الأسر السعودية؛ فلم يعد الابن مضطرًا إلى أن يسلك المهنة نفسها التي سلكها والده، بل أصبح قادرًا على أن يتجه إلى التعليم أو الإدارة أو الوظائف الحكومية أو غيرها من مجالات العمل.
وهذا التحول كان له أثر واضح في أسرتنا أيضًا؛ فقد بدأ الجيل الأول من التعليم التقليدي، ثم انتقل الجيل التالي إلى المدارس النظامية، وبدأت تظهر في الأسرة مسارات جديدة في التعليم والوظيفة والإدارة وخدمة الدولة.
تعليم البنات: مرحلة جديدة للأسرة والمجتمع
ولم يقتصر التحول على تعليم البنين؛ فقد امتد التعليم النظامي أيضا إلى تعليم البنات، وبدأت مرحلة جديدة كان لها أثر عميق في حياة الأسرة والمجتمع.
وقد عاصر والدي رحمه الله بدايات تعليم البنات النظامي في المملكة، وكان من أوائل الداعمين له في مدينة بريدة، مع ثلة من شباب بريدة الإصلاحيين ، ومنهم الشيخ علي بن عبدالله بن علي الحصين رحمه الله، مؤمنين بأهمية تعليم المرأة ودورها في نهضة المجتمع.
ولأن تعليم البنات لاقى معارضة من بعض الأهالي، فقد كانا ينصحان الناس في مجالس بريدة ومنتدياتها وأسواقها وخبوبها بقبول تعليم الفتاة، ويحثان على أهمية تعليمها، مستندين إلى مكانتهما الاجتماعية والعلمية.
وكانا من أوائل من ألحق بناتهما بالتعليم النظامي، فحصلن لاحقًا على أعلى الشهادات، ليكون ذلك شاهدًا آخر على أثر التعليم في تغيير حياة الأسرة، وعلى انتقالها من مرحلة إلى أخرى في مسيرة التعليم والمعرفة. ومثال ذلك :- الأستاذة الدكتورة هند بنت محمد بن علي الجارالله العجلان أستاذة الحديث والسنة وعلومهما بجامعة الاميرة نورة بنت عبدالرحمن والأستاذة الدكتورة الجوهرة بنت علي بن عبدالله الحصين الأستاذة بكلية الطب بجامعة الملك سعود والأستاذة الدكتورة امل بنت صالح بن محمد الجارالله العجلان الأستاذة في تكنولوجيا التعليم بجامعة الاميرة نورة بنت عبدالرحمن وغيرهن من اخواتهن حاملات شهادات الماجستير والبكالوريوس في مختلف التخصصات.
وفي بريدة افتتحت أول مدرسة نظامية للبنات سنة 1382هـ/1962م، لتبدأ بذلك مرحلة جديدة في تعليم البنات فيها ، ثم أخذ تعليم البنات يتوسع وينتشر بصورة تدريجية.
وكان دخول الفتاة السعودية إلى المدرسة النظامية تحولًا اجتماعيًا مهمًا؛ إذ أصبحت فرص التعليم متاحة على نطاق أوسع، وفتحت الدراسة أمامها أبوابًا جديدة في التعليم والعمل وخدمة المجتمع، وأصبح التعليم عنصرًا أساسيًا في بناء الأسرة الحديثة.
كيف تغيرت حياة الأسرة؟
إن التحول من الكتاب إلى المدرسة لم يكن مجرد تغيير في مكان الدراسة، بل كان تغييرًا في نمط الحياة نفسها.
فالابن الذي كان يتعلم في الكتاب ساعات محدودة في اليوم، أصبح يقضي سنوات دراسية متتابعة في المدرسة، ويتدرج في مراحل التعليم، ويتعرف على علوم ومهارات جديدة، ثم يتهيأ للانتقال إلى وظيفة أو إلى التعليم العالي.
وتغيرت نتيجة لذلك نظرة الأسر إلى التعليم؛ فأصبح تعليم الأبناء استثمارًا في المستقبل، وأصبح الآباء يشعرون أن مستقبل أبنائهم يمكن أن يكون مختلفًا عن مستقبلهم.
وهذا التحول نقل الأسرة السعودية، من مجتمع كانت التجارة والزراعة والحرف والأعمال التقليدية تمثل جانبًا مهمًا من مصادر الرزق فيه، إلى مجتمع أصبحت فيه الشهادة والتعليم والوظيفة الحكومية والتخصص المهني جزءًا أساسيًا من بناء المستقبل.
وكان لهذا أثره في علاقات الأسرة نفسها؛ فانتشار التعليم أتاح للأبناء فرصة التعرف إلى مجتمعات جديدة، والانتقال من مدينة إلى أخرى، والعمل في مؤسسات الدولة، وتولي مواقع ومسؤوليات لم تكن متاحة للأجيال السابقة.
ولم يقف أثر ذلك عند حدود التحصيل العلمي؛ فقد أصبح التعليم بعد ذلك وسيلة للارتقاء في العمل وخدمة المجتمع، وكان لجيل والدي وعمي دور في الانتقال بالمجتمع من مرحلة إلى أخرى، وفي بناء مؤسسات الدولة الحديثة.
وهكذا تبدو لنا قيمة التعليم في حياة الأسرة بصورة أوضح: فلم يكن ( الكتاب) نهاية الطريق، ولم تكن المدرسة مجرد بديل عنه، بل كانا حلقتين في مسيرة طويلة انتقلت فيها الأسرة والمجتمع من جيل إلى جيل.
من الكتاتيب إلى الجامعة
ومع اكتمال انتشار التعليم النظامي بمراحله المختلفة، تراجع دور الكتاتيب تدريجيًا، حتى غلبت المدارس النظامية على مشهد التعليم العام، وأصبح الكتاب مرحلة تاريخية من مراحل التعليم، بينما أصبحت المدرسة الطريق المعتاد لأبناء المجتمع.
ثم انتقل التعليم بعد ذلك إلى مرحلة أوسع مع إنشاء المعاهد والمدارس المتخصصة والكليات والجامعات، فأصبح الطالب قادرًا على مواصلة دراسته إلى أعلى المستويات، وبدأ أبناء الأسرة يدخلون مجالات مهنية وعلمية وإدارية متنوعة.
وهكذا قطع التعليم رحلة طويلة: من كتاب صغير يجتمع فيه الصبيان حول شيخهم، إلى مدرسة ذات صفوف ومناهج، ثم إلى معهد وكلية وجامعة.
وإذا كانت الكتاتيب قد حفظت للآباء القرآن والقراءة والكتابة ومبادئ العلم، فإن المدارس النظامية وسعت أمام الأبناء أبواب المعرفة والعمل، وربطت التعليم بمسيرة بناء الدولة الحديثة.
خاتمة
إن قصة التعليم في الأسرة ليست مجرد قصة مدارس وكتب ومناهج، وإنما هي قصة تحول اجتماعي وإنساني؛ قصة جيل بدأ من الكتاب، وجيل انتقل إلى المدرسة، وأجيال من بعده أكملت الطريق إلى الجامعة والتخصص الدقيق والعمل.
وحين نستعيد اليوم تلك الرحلة، فإننا لا نودع زمن الكتاتيب باعتباره ماضيًا انقضى، ولا ننظر إلى المدرسة باعتبارها مجرد تطور في التعليم، بل نرى رحلة أمة وأسرة من البساطة إلى الاتساع، ومن محدودية الفرص إلى تعددها.
ويبقى أجمل ما في هذه الرحلة أن رجال ونساء من أسرتنا عاشوا بدايتها؛ بتلقى العلم في الكتاب ،وتوقفوا عندها لعدم توفر المدارس النظامية حينها ومن أتيحت لهم الدراسة النظامية منهم واصل صفحة جديدة في حياته.
وهكذا أصبح التعليم واحدًا من أهم الجسور التي عبرت عليها الأسرة من زمن الآباء والأجداد إلى زمن الأبناء والأحفاد؛ فكان (للكتاب) فضل البداية، وللمدرسة فضل التوسع، وللجامعة آفاق الامتداد، حتى أصبح العلم جزءًا أصيلًا من مسيرة الأسرة وتاريخها. فحصل الكثير منهم على أعلى الشهادات الدراسية كل في مجال تخصصه.
جاري تحميل التعليقات...