الماء و مزارع النخيل والآبار في حياة أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان في خبوب بريدة

كتب: فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

كانت الأرض والزراعة والماء جزءًا أصيلًا من حياة أهل بريدة قديمًا، ولم تكن حياة الناس آنذاك تقوم على التجارة وحدها، بل تنوعت أعمالهم ومصادر رزقهم بحسب ما تهيأ لهم من موارد وإمكانات.

ومن ذلك ما عُرف عن بعض أفراد أسرة الجارالله العجلان آل أبو عليان من امتلاك المزارع والآبار في خبوب بريدة، ولا سيما خب البريدي ،وخب حويلان ،وخب الجطيلي حيث كانت الأرض مصدرًا للرزق، ومجالًا للعمل والعناية بالنخيل والزراعة.

وكانت الآبار تمثل عصب الحياة في تلك المزارع؛ فالماء هو أساس الزراعة، وبه تُسقى النخيل والأشجار والمحاصيل، وتُروى حاجات الإنسان والحيوان. ولذلك كانت البئر في المزرعة موردًا عزيزًا، والعناية بها وبمائها جزءًا من المحافظة على الأرض واستمرار عطائها.

وقد عُرف بين أفراد الأسرة تنوع مجالات العمل؛ فكان بعضهم من أهل الزراعة، يرتبطون بالأرض ومزارع النخيل، ويتولون شؤونها من سقي ورعاية وحصاد، بينما اتجه فريق آخر إلى التجارة، فكانوا يمارسون البيع والشراء ويتنقلون بين الأسواق، في حين كان منهم رجال من العقيلات الذين عُرفوا بالأسفار والتجارة والتنقل بين البلدان طلبًا للرزق.

وهذا التنوع في أعمال أبناء الأسرة يعكس طبيعة الحياة الاقتصادية في بريدة في ذلك الزمن؛ فلم يكن الرجل بالضرورة محصورًا في مهنة واحدة، فقد يجمع بين ملكية الأرض والزراعة والتجارة، أو ينتقل بين مجالات الرزق بحسب ظروف الحياة وحاجاتها. وكانت الزراعة والتجارة ورحلات العقيلات روافد متكاملة أسهمت في بناء حياة الأسر واستقرارها وتوسعها.

وكانت النخلة تحتل مكانة خاصة في حياة أهل بريدة؛ فهي شجرة مباركة، وثمارها غذاء، ومن منتجاتها ما يدخل في حياة الناس اليومية، كما أن المزرعة بما فيها من نخيل وماء كانت تمثل موردًا اقتصاديًا ومكانًا للراحة والأنس للأسرة.

مزرعة الجد جارالله في خب البريدي

ومن الشواهد التي بقيت في ذاكرة الأسرة مزرعة الجد جارالله رحمه الله في (خب البريدي)، الذي أصبح اليوم ضمن حدود مدينة بريدة. فقد كان، إلى جانب عمله التجاري في سوق الجردة وتجارته في الابل ، يملك مزرعة في هذا الخب الواقع غرب بريدة، وكانت مزرعته عامرة بالنخيل والأشجار، ومن أبرزها أشجار الأثل التي كانت لها قيمة كبيرة في حياة أهل بريدة والقصيم قديمًا.

فالأثل لم يكن مجرد شجر يُزرع في المزارع أو ينبت في بطون الأودية والنفود، بل كان يمثل موردًا اقتصاديًا مهمًا، وعنصرًا أساسيًا في العمارة التقليدية؛ إذ كان خشبه يدخل في بناء البيوت الطينية والمساجد والأسواق، وفي استخدامات إنشائية متعددة، حتى يمكن القول إنه كان في زمانه يؤدي في بعض جوانب البناء وظيفة تشبه ما يؤديه حديد التسليح والخرسانة في وقتنا الحاضر.

وكان في مزرعة الجد جارالله دار يقيم فيها مع أسرته، وبئر ماء امتازت بعذوبة مائها، إلى جانب أرض واسعة تُزرع بالخضروات والبرسيم و بالقمح شتاءً، وممرات ومسالك تمر فيها المواشي في أنحاء المزرعة. وكانت المحاصيل تُجمع ويُستفاد منها، ويُباع ما يزيد منها في أسواق مدينة بريدة.

كما كان من مرافق المزرعة في حينها معطن للإبل، وأربعة مرابط لأربعة أفراس، ومراح للأغنام، مما يدل على اتساعها وتعدد مرافقها، وأنها لم تكن مجرد أرض زراعية، بل كانت مكانًا متكاملًا يجمع بين السكن والزراعة وتربية الإبل والخيل والأغنام.

وتكشف هذه المزرعة عن صورة من صور الحياة التي عاشها الأجداد؛ فالمزرعة لم تكن مجرد أرض زراعية، وإنما كانت مكانًا متكاملًا للحياة، فيها الدار والبئر والنخيل والأشجار والأرض الزراعية، وتلتقي فيها حاجات الأسرة مع موارد الرزق والعمل.

وثيقة المزرعة شاهد من ذاكرة الأسرة

وقد اطلعتُ على وثيقة هذه المزرعة، وهي من ضمن الوثائق التي احتفظ بها والدي رحمه الله، ويعود تاريخها إلى نحو ثمانين عامًا، وتثبت تملّك جدنا جارالله رحمه الله لها، لتكون شاهدًا مكتوبًا على صلة الأسرة بهذه المزرعة وامتلاكها قبل ذلك الزمن. كما تثبت بيعها لاحقًا لأحد أقربائه من الأسرة. وتكتسب هذه الوثيقة أهمية خاصة في توثيق الذاكرة العائلية؛ فهي لا تحفظ اسم المكان والمزرعة فحسب، بل تكشف جانبًا من حركة الملكية وتداول الأراضي بين أفراد الأسرة في تلك الحقبة.

وقد ورد في الوثيقة أنه باع ملكه الكائن في خب البريدي، وما يشتمل عليه من بئر ونخل ودار وأرض وطرق، مما يعطينا صورة واضحة عن مكونات المزرعة وما كانت تضمه من مرافق وممتلكات مرتبطة بالحياة الزراعية والمعيشية وشهد على هذه الوثيقة صالح الحسن العجلان وصالح الحمد الخراز رحمهما الله.

كما نصت الوثيقة على أنه استثنى من البيع «خو الأثل»، وهو ما يكشف عن قيمة الأثل وأهميته في ذلك الوقت، حتى حرص الجد جارالله رحمه الله على الاحتفاظ بملكه منه وعدم إدخاله ضمن البيع.

وتبقى هذه الوثيقة شاهدًا ثمينًا على جانب من تاريخ الأسرة، فهي تنقل لنا صورة واقعية عن الأرض وملكيتها ومرافقها، وتمنح الأجيال اللاحقة فرصة للتعرف على جانب من حياة أجدادهم كما كانت على أرض الواقع، لا من خلال الرواية الشفوية وحدها، وإنما من خلال وثيقة حفظت شيئًا من تفاصيل تلك المرحلة.

مزرعة العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان خبير النخيل والزراعة في خب حويلان و خب الجطيلي

ومن أبناء الأسرة الذين امتهنوا حرفة الزراعة في بداية حياتهم العملية وفي مقتبل عمرهم العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله، الذي تخصص فيها وأصبح من أهل الخبرة والمعرفة بها، واتخذ من مزرعته في خب (حويلان) مجالًا لممارسة الزراعة والعناية بالنخيل على وجه الخصوص.

وقد بلغ من خبرته بالنخيل مبلغًا جعله مرجعًا في معرفة أنواعها وأصنافها وطرق غرسها والعناية بها، فلا يكاد ينازعه أحد في معرفته بتفاصيلها؛ من اختيار أجود أصنافها، ومعرفة أوقات غرسها، وطريقة ضمدها وتحضيرها، ومتابعة بواكير ظهور ثمارها، ومعرفة الوقت المناسب لالتقاط رطبها، ومتى تُخرف عذوقها.

وكان رحمه الله إلى جانب خبرته الزراعية عارفًا بعلم الفلك ونجومه ومواسمها، وما يرتبط بها من معرفة بأوقات الزراعة والغرس، فكان يربط خبرته بالأرض بما توارثه أهل الزراعة من معرفة بالأنواء والنجوم ومواقيت الفصول.

ولما عُرف عنه من خبرة واسعة في الزراعة والحرث والنخيل، أصبح مرجعًا للمزارعين من حوله؛ فإذا عرض لأحدهم خطب أو مشكلة في مزرعته أو نخيله رجع إليه يستشيره، فيقدم لهم ما يستطيع من الرأي والخبرة والحلول الناجعة، محتسبًا في ذلك الأجر والمثوبة من الله.

وفي أواخر حياة العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله، عاد إليه حنينه القديم إلى الفلاحة والزراعة، فاشترى مزرعة أخرى في (خب الجطيلي) الذي أصبح اليوم ضمن حدود مدينة بريدة. وأخذ يتردد عليها كثيرًا،

وقد أولى المزرعة عناية خاصة، فعمل على زيادة زراعتها وإعادة تأهيلها، وأدخل إليها أصنافًا من المزروعات والأشجار لم تكن مألوفة في منطقة القصيم آنذاك، ومن بينها أشجار اليوسفي والدراق، وقد لاقت هذه التجربة نجاحًا ملحوظًا، وأصبحت المزرعة مجالًا لتجربته وخبرته الزراعية التي امتدت سنوات طويلة. والتي أمضى جانبًا من حياته في خدمتها والعناية بها.

وهكذا كان العم محمد بن إبراهيم الجارالله العجلان رحمه الله مثالًا للرجل الذي جمع بين العمل والخبرة والمعرفة وخدمة الناس، وبقيت تجربته في الزراعة والنخيل شاهدًا على ما كان لأبناء الأسرة من عناية بالأرض، ومعرفة بمواسمها وثمارها، وإسهام في نقل الخبرة الزراعية من جيل إلى جيل.

وتبقى خبوب بريدة، خب البريدي ،وخب حويلان ،وخب الجطيلي على وجه الخصوص، شاهدًا على جانب من هذه الحياة الزراعية القديمة، التي ارتبط فيها الإنسان بالأرض والماء والنخلة، وبذل في سبيلها الجهد والصبر. ومن خلال الحديث عن مزارع الأسرة وآبارها، نستطيع أن نستحضر جانبًا من حياة الأجداد، وكيف تعددت أعمالهم ومصادر رزقهم بين الزراعة والتجارة ورحلات العقيلات.

إن توثيق هذه التفاصيل الصغيرة من حياة الأسرة ليس مجرد حديث عن آبار ومزارع ونخيل، بل هو توثيق لطريقة حياة كاملة عاشها الآباء والأجداد، وأسهمت في تشكيل شخصية الأسرة واستقرارها، وفي الوقت نفسه يكشف جانبًا من تاريخ بريدة الزراعي والاقتصادي والاجتماعي في تلك الحقبة.

وتبقى الآبار والنخيل والمزارع في خبوب بريدة من الذكريات التي تستحق أن تُروى، حتى تعرف الأجيال الجديدة أن وراء ما وصلت إليه الأسرة اليوم تاريخًا من العمل والكفاح وتعدد مجالات الرزق، وأن لكل مزرعة وبئر ونخلة حكاية من حكايات الأجداد.