الأستاذ الدكتور أنور أحمد رسلان

أستاذ القانون الإداري في معهد الإدارة العامة بالرياض وجامعة القاهرة وعميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة الأسبق.

الاساتذة… وفاءٌ وعرفان

كتب فهد بن محمد بن علي الجارالله العجلان

للمعلّم في حياة الإنسان أثرٌ يبقى، يتجاوز ما يقدّمه من علم إلى ما يغرسه من قيم، وما يفتحه من آفاق، وما يتركه من ذكريات طيبة. وقد أكرمنا الله، نحن هذه الاسرة في مراحل تعليمنا المختلفة، بأساتذة فضلاء، تلقينا على أيديهم العلم، وانتفعنا بمعارفهم وتجاربهم وتوجيهاتهم.

ووفاءً لهم، وعرفانًا بفضلهم، نخصّص هذه ((المساحة)) للتعريف بسيرهم، وذكر مآثرهم، وتدوين بعض ما بقي في الذاكرة من مواقف جمعتننا بهم؛ تقديرًا لعطائهم، وحفظًا لأثرهم، وتعريفًا للأجيال بمن أسهموا في تعليمنا وتكويننا.

وهي شهادات نستذكر فضلهم بمحبة وامتنان، ونسأل الله أن يجزيهم خير الجزاء، ويرحم من رحل منهم، ويمتّع من بقي بالصحة والعافية.

يُعد الأستاذ الدكتور أنور أحمد رسلان من أساتذة القانون الإداري الذين أسهموا في تدريس هذا الفرع من فروع القانون والبحث فيه، وامتد عطاؤه العلمي إلى المملكة العربية السعودية، حيث قام بالتدريس في معهد الإدارة العامة بالرياض، وكان من بين المواد التي قام بتدريسها القانون الإداري.

وقد كان لي شرف أن أكون أحد طلابه في معهد الإدارة العامة خلال عامي 1405–1406هـ الموافقين 1985–1986م، ضمن الدورة الرابعة عشرة من دبلوم دراسات الأنظمة، بعد حصولي على المؤهل الجامعي. وقد درست على يديه مع غيري من زملاء الدورة المشار إليها مادة القانون الإداري، وكانت تلك الفترة من التجارب العلمية التي بقي أثرها في ذاكرتي، وظل أستاذها حاضرًا في وجداني رغم مرور أكثر من أربعة عقود.

أستاذ مخلص وشغوف بالتدريس

أتذكر الدكتور أنور رسلان أستاذًا مخلصًا في عمله، شغوفًا بالتدريس، حريصًا على أن تصل المعلومة إلى الطالب بصورة واضحة ومفهومة. ولم يكن يكتفي بعرض القاعدة القانونية أو شرح النصوص، بل كان يحرص على ربطها بالتطبيق العملي وبالواقع الإداري في المملكة العربية السعودية.

وكان شرحه للقانون الإداري يتميز بالوضوح والتدرج؛ فينتقل بالطالب من المفهوم القانوني إلى تطبيقه، ويشرح له كيف تعمل القواعد القانونية في نطاق الإدارة العامة، وما يترتب عليها من حقوق والتزامات، وكيف تُطبَّق المبادئ القانونية على الوقائع والممارسات الإدارية.

ولمست فيه خلال دراستي لديه اهتمامًا حقيقيًا بتعليم طلابه، وحرصًا على أن يتجاوز التعليم مجرد حفظ المعلومات إلى الفهم والإدراك وحسن التطبيق. وكان واضحًا أنه يرى في التدريس رسالةً ومسؤولية، لا مجرد أداة لمهمة أكاديمية.

اهتمامه بالقانون الإداري السعودي

ومن الجوانب المميزة في تدريسه لنا أنه كان يتحدث عن القانون الإداري في المملكة العربية السعودية وتطبيقاته، مستفيدًا من معرفته القانونية وخبرته الأكاديمية، وكان يوضح لنا طبيعة التنظيم الإداري في المملكة، وكيفية تطبيق المبادئ القانونية على أعمال الإدارة وقراراتها.

ولم يكن ارتباطه بالقانون الإداري السعودي مقتصرًا على التدريس؛ فقد صدر له كتاب «القانون الإداري السعودي» عن الإدارة العامة للبحوث في الرياض سنة 1987م، في 342 صفحة، وهو ما يعكس اهتمامه العلمي بدراسة النظام الإداري السعودي وقواعده وتطبيقاته.

التعليم الذي يتجاوز المقرر

ومن الأمور التي أذكرها عنه وأقدرها له بعد مرور سنوات طويلة، أنه لم يكن ينظر إلى مهمته على أنها مجرد إلقاء مادة دراسية وإنهاء مقرر، بل كان يحرص على توجيه طلابه وإرشادهم إلى ما ينبغي أن يهدف إليه التعليم.

كان يريد للطالب أن يفهم، وأن يحسن التفكير، وأن يدرك مسؤولياته، وأن يستفيد من العلم في حياته العملية. ولذلك كان في حديثه وتوجيهاته ما يتجاوز حدود المادة العلمية إلى بناء شخصية الموظف، وتعزيز شعوره بالمسؤولية والانضباط، وحسن أداء العمل.

وهذه من الصفات التي تجعل أثر المعلم يبقى في ذاكرة الطالب سنوات طويلة؛ فالمعلم المتميز لا يترك في الطالب معلومات فحسب، وإنما يترك فيه أثرًا من منهجه و أخلاقه وطريقته في التفكير.

لقاء بعد التخرج

ولم تنتهِ صلتي بالدكتور أنور أحمد رسلان بانتهاء دراستي في معهد الإدارة العامة؛ فقد التقيت به بعد تخرجي في القاهرة، فوجدته كما عرفته أيام الدراسة: عالمًا متواضعًا، كريم الخلق، حسن المعشر، محبًا للعلم والتعليم، ومخلصًا في أداء رسالته.

وكان لقائي به بعد سنوات من الدراسة فرصةً لأرى فيه عن قرب ما لمسته فيه أستاذًا؛ فلم تغيّر المكانة العلمية التي بلغها من شخصيته، ولم يزدها العلم والمكانة إلا تواضعًا ووقارًا. وكان حديثه يجمع بين العلم والأدب، وبين عمق المعرفة وحسن التوجيه، مما جعل ذلك اللقاء من الذكريات الجميلة التي بقيت راسخة في نفسي.

وقد أدركت حينها أن ما كنت ألمسه فيه في قاعة الدرس من شغف بالعلم وحرص على إفادة طلابه لم يكن مجرد أسلوب في التدريس، وإنما كان جزءًا أصيلًا من شخصيته ومن رسالته التي آمن بها.

إشرافه على بحث تخرجي

كما لا أنسى أن الأستاذ الدكتور أنور أحمد رسلان كان المشرف على بحث تخرجي، وكان حريصًا على توجيهي ومساعدتي في فهم ما كان خافيًا عليّ؛ فيوضح لي ما غمض، ويناقشني فيما يحتاج إلى إيضاح، ويوجهني في خطوات إعداد البحث، مما أسهم في إنجازه بصورة أفضل، وأكسبني منه علمًا وخبرة ما زلت أذكر أثرهما حتى اليوم.

الاستاذ المستشار عدلي منصور رئيس الجمهورية

وكان الأستاذ المناقش الخارجي لبحث التخرج المستشار عدلي محمود منصور، الذي تولى فيما بعد رئاسة المحكمة الدستورية العليا في مصر، ثم اختير رئيسًا لجمهورية مصر العربية بصورة مؤقتة خلال المرحلة الانتقالية، وأدى اليمين الدستورية في 4 يوليو 2013، واستمر في إدارة شؤون البلاد حتى 8 يونيو 2014.

وما يزال هذا الموقف حاضرًا في ذاكرتي، ليس لما جمعه من أسماء علمية وقانونية بارزة فحسب، وإنما لأنه ارتبط بمرحلة مهمة من حياتي العلمية، وبأستاذ كان له أثر واضح في تكويني العلمي.

مسيرته الأكاديمية

واصل الدكتور أنور أحمد رسلان مسيرته الأكاديمية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، حتى تولى عمادة كلية الحقوق بجامعة القاهرة من 1 أغسطس 1996م إلى 31 يوليو 2002م، وفق السجل الرسمي لعمادات الكلية.

كما عُرف بإسهاماته في مجال القانون الإداري، ومن مؤلفاته كتاب «وسيط القضاء الإداري»، إلى جانب مؤلفات أخرى في مجال القانون الإداري والقضاء الإداري، مما يعكس امتداد اهتمامه بالتدريس والتأليف والبحث العلمي.

أستاذٌ بقي أثره

وبالنسبة لي، فإن الحديث عن الدكتور أنور أحمد رسلان ليس حديثًا عن أستاذ جامعي قرأت عنه في الكتب أو المصادر، وإنما هو حديث عن معلم عرفته عن قرب، وجلست في قاعة الدرس أستمع إلى شرحه وأستفيد من علمه، ثم التقيت به بعد التخرج فوجدته كما عرفته، عالمًا متواضعًا كريم الخلق.

وقد مضى على تلك الأيام أكثر من أربعة عقود، ومع ذلك ما زلت أذكر طريقته في الشرح، وحرصه على إيصال المعلومة، واهتمامه بأن يفهم الطالب ما وراء النص القانوني، وما يترتب عليه في الواقع العملي.

وإن من الوفاء للمعلم أن يُذكر فضله بعد مرور السنين، وأن يُقال له – وإن كان قد انتقل إلى رحمة الله – إن علمه وجهده لم يذهبا سدى، وإن بعض طلابه ما زالوا يذكرونه بالخير، ويستحضرون أثره في حياتهم العلمية والعملية.

ولهذا بقي الدكتور أنور أحمد رسلان في ذاكرتي لا بوصفه أستاذًا درست على يديه مادة القانون الإداري فحسب، وإنما بوصفه معلمًا كريمًا ترك أثرًا طيبًا في نفوس طلابه، وعالمًا جمع بين العلم والتواضع وحسن الخلق.

رحم الله الأستاذ الدكتور أنور أحمد رسلان رحمة واسعة، الذي انتقل الى جوار ربه سنة 2013 وجزاه عن علمه وتعليمه وطلابه خير الجزاء، وجعل ما قدمه من علم نافع في ميزان حسناته، وكتب له أجر كل طالب علم انتفع بما علّمه وشرحه ووجّه إليه.